كنا نسير بسرعة كبيرة فوق الأراضي الأوروبية... حوالى تسعمائة وعشرين كيلومترا في الساعة وعلى ارتفاع 39000 قدم... ولكن في مقصورة قيادة البوينج لا تقاس السرعة بالكيلومترات لأن وحدة قياس السرعة الملاحية في الطيران هي العقدة... وتعادل حوالى 1.852 كيلومتر في الساعة... وأساس العقدة هي الميل البحري... ولهواة الحسابات فهي تعادل زاوية دقيقة واحدة أي واحد على ستين من زوايا الدرجات الملاحية حسب تعريف درجات القياس... ولو ضربت الستين في ثلاثمائة وستين درجة وهي عدد الدرجات الملاحية هندسيا في دائرة الأرض، فسينتج الرقم 21600 وهو عدد الأميال البحرية في قطر الكرة الأرضية عند خط الإستواء... الشاهد أن كل هذه العقدات النشطة حركت طائرتنا بمشيئة الله باتجاه الجنوب: من سماء إنجلترا إلى أجواء فرنسا ثم إلى سويسرا وما بعدها... وعندما تنظر إلى أراضي هذه الدول تراودك العديد من الأفكار في التاريخ، والجغرافيا، والاقتصاد، والسياسة... وفى المكر والخداع والحروب أيضا... وتتبلور شخصية العقد لكل دولة بطريقتها الفريدة فكل منها تحتوى على مجموعة من التعقيدات في المعاملات الرسمية وغير الرسمية والتي توارثتها الأجيال... ويبدو أن العقد تزداد كلما اتجهت جنوبا وتكاد أن تشعر بها في الأجواء، علما بأن الدول العربية تعتبر من أكثر الدول التي تراكمت عليها العقد عبر الأجيال... وأعتقد والله أعلم أن بعضاً منها

مكافحة العقد في كل مكان واجب وطني علينا جميعاً
كل في تخصصه

طورتها بأبعاد مختلفة فأصدرت الجيل الثاني، والثالث، والرابع، وهكذا لتصل إلى درجات متقدمة جدا من التعقيد لدرجة يصعب تخيلها... وهنا أود أن أؤكد وبكل جدية للقارئ أن تخيل العقد هو علم وفن صعب جدا... فى عالم الرياضيات الواسع يوجد علم جميل جدا ولكنه صعب جدا ويسمى «الطوبولوجيا» topology وهو يهتم بخصائص الأسطح والأشكال في محاور متعددة وبطرق ذكية جدا،وهو علم حديث نسبيا فقد ولد بنهاية القرن التاسع عشر، واشتقت منه العديد من الأفكار الإبداعية ومنها نظريات العقد Knot theory... من العقد البحرية التي تستخدم لربط الزوارق والسفن، وتلك التي تستخدم لصيد الأسماك، إلى تلك التي نربط بها أحذيتنا أعزكم الله... ولكن هناك عقد تؤثر على حياتنا بأشكال خطيرة ومنها عقد الخيوط في العمليات الجراحية... وهناك العقد التي تؤثر في رفاهيتنا ومنها تلك التي تستخدم في حياكة الأقمشة والملابس... وهناك أيضا العديد من العقد بداخل كل منا لأن خلايانا تحتوى على المادة الوراثية الشهيرة DNA وشكلها كالشرائط الطويلة جدا الملفوفة بداخل نواة الخلايا... والعقد في الرياضيات تحتاج إلى خيال واسع جدا وخصوصا أن أطراف مكوناتها معقودة هي الأخرى وهي تحتل أكثر من ثلاثة أبعاد... يعنى مثل بعض المعاملات في بعض الدوائر في الدول العربية....الغريب هنا طبعا هو أن اكتشاف هذه النظريات جاء على أيدى مفكرين وعلماء رياضيات و«دنيا مقلوبة» من ألمانيا، وإيطاليا، وفرنسا، والنمسا... وكان المتوقع، والمفروض، بل والصحيح أيضا أن يكون اكتشاف العقد ونظريات العقد على أيد عربية لأن تطوير فنون العقد والتعقيد هو ضمن الفنون المحلية... طبعا ظهرت عندنا «الدنيا المقلوبة» في العقد في العديد من مجالات الحياة
اعتقد أن هناك واجباً وطنياً علينا جميعا... وكل في نطاق تخصصه ومسؤولياته لمكافحة العقد في كل مكان... والتخوف هنا أن التغلب على التعقيدات قد يتطلب المزيد من التعقيدات... وعلى سبيل المثال فلابد أن يتم التخلص منها ضمن الأنظمة، وسيتطلب هذا تشكيل لجنة عليا لمراجعة العقد... وطبعا ستتولد ضرورة ايجاد لجنة عليا ثانية لمراقبة أعمال اللجنة الأولى، وذلك للتأكد أن جميع العقد ستحل بالشكل الصحيح وفى الوقت الصحيح... ولا ننسى طبعا ضرورة تكوين مجموعة من اللجان الفرعية المختلفة للتأكد أن المجالات المختلفة لفك العقد قد تمت تغطيتها بالكامل... وهناك أيضا أهمية لجان التنسيق لضمان «انسيابية» العمل بين جميع هذه الجهات... وهكذا
* أمنيـــــة :
بقيت إحدى أنواع العقد المنتشرة في عالمنا وهي تلك المستخدمة في أعمال السحر والشعوذة والتي يبدو أنها لا تزال تستخدم إلى يومنا هذا... أتمنى أن يقينا الله عز وجل شر العقد... والنفاثات في العقد... وأن ننجح جميعا في التخلص من مصادر التأخر الفكري والحضاري والإداري.. والله من وراء القصد.