طبقا لتصريحات وزير التعليم العالي (الرياض 12-8) فان الطاقة الاستيعابية للجامعات السعودية هي عال العال، وان لدينا قدرة تامة على استيعاب جميع خريجي الثانوية، بل و «شوية زيادة» فوقهم. اذ يقول معاليه ان الجامعات الحكومية توفر 186 ألف مقعد، والاهلية 61 الف مقعد، وهذا يعادل 95 بالمائة من خريجي الثانوية لهذا العام (262.6 الف طالب). ولا تشمل الارقام السابقة الكليات العسكرية التي ربما تستوعب البقية. اذا حملنا هذا الكلام على محمل الجد فان جميع ما كتب في الصحف المحلية عن ازمة قبول الطلبة المتقدمين للجامعات هو تهويم في الفضاء ولا علاقة له بالواقع. ولا بد ان الاف الطلبة والطالبات الذين يندبون حظهم هذا الاسبوع لفشلهم في الحصول على كرسي في اي جامعة، قد اخطأوا العنوان فذهبوا ربما إلى اماكن اخرى غير الجامعات التي نعرفها ولهذا رفضت طلباتهم. اما التقديرات التي نشرها اكاديميون وقالوا فيها ان القبول الفعلي في جامعاتنا لا يتجاوز العشرة في المائة من اجمالي المتقدمين، فهي مثل سابقتها كلام عن بلاد اخرى، او هي مجرد اخطاء في الحساب. لان نقص صفر يحول المئة في المئة إلى عشرة في المئة كما نعرف. الخلاصة ان المشكلة –حسب تصريحات معالي الوزير- غير موجودة وان العتب على النظر لا على الواقع. يمكن اذن للاقلام ان تستريح. لكن ماذا نفعل بالمعلومات الاخرى، المعلومات التي تشير مثلا إلى ان نسبة كبيرة من الطلبة الحاصلين على معدلات دون 90% قد رفضت طلباتهم، وماذا نفعل بالمئات

يحتاج الأمر إلى إرادة حازمة بدل التعويل على أرقام
باردة أو افتراضية

من الطلبة والطالبات الذين يبحثون عن واسطة او شفاعة للحصول على مقعد بعدما فشلت كل وسيلة اخرى، وماذا نفعل بمجالس الاحزان المنعقدة في العشرات من البيوت التي عاد ابناؤها من رحلة البحث عن مقعد جامعي بخفي حنين. هذه ليست ارقاما افتراضية باردة، ولا هي ظنون او توهمات او مخاوف من المستقبل. انها حقائق ترى بالعين هنا وهناك وفي كل بقعة في طول البلاد وعرضها. ما تكتبه الصحافة يعكس بعض المشكلة، اما المشكلة نفسها فهي اكبر. نستطيع القول ان لدينا مئة الف خريج افتراضي ولدينا مئة الف مقعد جامعي افتراضي. يمكن ان نقول هذا قبل عدة سنين من وقوع المشكلة. نتذكر مثلا ان تقديرات خطة التنمية الثامنة تشير إلى ان عدد خريجي الثانوية في العام 2010 سيصل إلى 263 ألفا، لكن خريجي هذا العام قد بلغوا هذا الرقم تقريبا، ومن المحتمل ان يزيد عدد الخريجين في العام المذكور بنسبة 15 بالمائة عن الرقم المفترض. لا يعني هذا ان التخطيط المسبق هو امر سيئ، فما اردنا التأكيد عليه هو بالتحديد الحاجة إلى النظر في المشكلات الواقعية وليس التعويل فقط على الأرقام الصماء. جميع الناس يرون هذه المشكلة اليوم، ليس في مكاتب الوزارة، بل في مكاتب القبول في الجامعات وفي البيوت وفي كل مكان آخر. وهي تتلخص ببساطة في ان هناك اعدادا كبيرة من خريجي الثانوية ترفض طلبات التحاقهم بالجامعات. فهل تستحق هذه المشكلة نقاشا صريحا من جانب مسؤولي وزارة التعليم العالي أم لا؟. طبقا لارقام وزارة التعليم العالي فان جامعة الملك عبد العزيز بجدة قادرة على استيعاب 20 الف طالب جديد، لكن المعطيات الواقعية تقول انها قبلت هذا العام 11 الفا فقط، علماً بأن عدد الذين تقدموا اليها يزيدون على 90 الف طالب. والامر يتكرر بنفس النسق او قريبا منه في جيزان والرياض والمنطقة الشرقية. المشكلة ليست في تركيز الطلبة على تخصصات معينة كما يقول معالي الوزير. المشكلة تكمن في التفارق بين الارقام الافتراضية والواقع القائم على الارض. ومثل هذا التفارق يحتاج إلى حلول قبل ان يتفاقم. وقد سبق للوزارة نفسها ان اقرت بوجود المشكلة، واقترحت في مؤتمر حول سياسات القبول قبل سبعة اعوام بالحاجة إلى مضاعفة عدد المقاعد الجامعية المتاحة. ونستطيع القول اليوم بأن هذا الاقتراح لا زال قائما. نحتاج إلى علاج جذري، يتمثل في برنامج لاقامة جامعة واحدة على الاقل في كل محافظة من محافظات المملكة خلال السنوات العشر المقبلة. وينبغي البدء بالمحافظات التي يزيد عدد سكانها على ربع مليون مواطن. لم يعد من المقبول ان يتحول الصيف إلى موسم للألم وخيبة الامل كما يحصل كل عام. لدينا ما يكفي من المال، ولم يعد توفر الميزانية مشكلة كما كان الحال قبل عشرة أعوام. واعتقد اعتقادا جازما بأن وزارة التعليم العالي قادرة على حل المشكلة تماما في ظرف خمسة اعوام او اكثر قليلا. يحتاج الامر إلى ارادة حازمة والى مواجهة صريحة للمشكلة كما هي في الواقع وكما يراها الناس، بدل التعويل على الارقام الباردة او الافتراضية.