أفياء
سعداء وإن أنكروا
من تعليقات بعض القراء الظرفاء على إثر نشري مقالا أو اثنين كتبتهما في وقت متتال حول الحب في حياتنا، القول بأني صرت خبيرة في أدواء القلوب وأنه بالإمكان الاعتماد عليّ والرجوع إلى تفسيراتي لتلك العاطفة الغامضة التي تحل بالبعض منا فلا يجد لها تفسيراً ولا تعليلاً.
ومن الغرور، أني صدقت ما قاله أولئك القراء الأعزاء حول توسّمهم الخبرة بما في جعبتي (الأكاديمية)، فراودتني نفسي اليوم بمعاودة الكتابة عن الحب بحماس أكبر، ربما لأني نوعاً ما (فاضية) في هذا الصيف، والفاضي غالباً يكون (رايق)، وربما بسبب اشتداد الحر في الرياض فيكون في الهروب إلى حديث الحب تخفيفاً من الشعور بالحرارة متى قورنت حرارة الجو بحرارة الجوى، كما صرح المتنبي بذلك حين أعلن قياسه الشهير لدرجة حرارة الحب.
ففي فؤاد المحب نار جوى
أحر نار الجحيم، أبردها
وربما أيضاً لأن الكتابة عن الحب من المواضيع الباردة التي لا تغضب أحداً، ولا تثير جدالاً، ولا تولد صراعاً، فيكون في الموضوع البارد تلطيفاً على القراء من معاناة الحر وإعانة لهم على تحمله.
أمضيت ليلتي البارحة أتذوق أشعار بعض مشاهير العاشقين ممن شهد لهم التاريخ بالتسيّد على عالم العشق والتتيم، مثل جميل بثينة وكثيّر عزة ومجنون ليلى وغيرهم ممن ضُربت الأمثال بعنفوان الحب في حياتهم، فوجدتني غرقت في وسط يفيض بالأنين والحسرات والحزن والمرارة واللوعة، لا أثر فيه البتة لشيء من السعادة أو البهجة! فقلت لنفسي: كم هم يكذبون هؤلاء العشاق! هل يريدون منا أن نصدق أنهم متشبثون بالحب الذي يشكون من ألمه من غير أن يكون لهم فيه شيء من سعادة ومسرة؟ هل يريدون منا أن نصدق أن الحب لم يجلب لهم سوى الشقاء والتعاسة والألم المضني وأن لا شيء غير ذلك؟
كما يصعب عليّ التصديق بهذا، لو لم يجلب الحب لهم بعضاً من ألق وضياء، ولو لم ترتعش جوانحهم بمشاعر ممتعة لذيذة حين تجيش بهم عواطفهم تجاه المحبوب، ولو لم يرقص بين ضلوعهم ذلك الخفاق طرباً ونشوة بما سكن فيه من وله وشوق للحظة لقاء نادرة أو بسمة عابرة، لولا ذاك لما احتملوا كل تلك الآلام والمتاعب التي يتحدثون عنها، لكنهم ينكرون كل ذلك الجمال الذي يجلبه الحب إلى حياتهم، ويظلون يندبون حظهم ويشتكون البؤس الذي حل بهم على يد الحب، فما أظلمهم!
واقع البشر يُخبرنا أن الشيء الذي لا يجلب لصاحبه سوى الألم الخالص والحزن الممزوج بالكآبة، غالباً ما يهرب منه الناس ويجتهدون في التخلص منه، لكن هؤلاء العشاق لا يفعلون ذلك، لأنهم مستمتعون رغم شكواهم وسعداء رغم حزنهم وكآبتهم.
ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382
أضف تعليقك