الصيف... ورجل المرور
أتعاطف بشدة مع رجل المرور في مدينتي جدة، لأسباب قد تكون تاريخية. عندما كنت صبياً صغيراً لا يتعدى السابعة من العمر، كنت أذهب إلى مدرستي الابتدائية (وكان اسمها المدرسة السعودية) في حارة الشام سيراً على الأقدام من حارة البحر(إلا إذا رق قلب جدي عبد الله موسى على حالنا أنا وشقيقي الأكبر من شدة الحر فأمر سائق سيارته بتوصيلنا إلى المدرسة).
كانت جدة في تلك الأيام لا يوجد بها طرقات مسفلته إلا بعدد أصابع اليد الواحدة، وكان أهمها وأوسعها شارع الملك عبد العزيز الذي تقع عليه جميع المباني العامة والبنوك والشركات، وثلاجة أبوزنادة والمقصف الشهير الذي كان حينذاك أعجوبة زمانه وملتقى أبناء البلد ممن كانوا أكبر سناً ويقفون على عتبة مرحلة الشباب، أمثال أشقائي الكبار وأبناء نعمة الله وباناجة وبكر وغيرهم. وكانت أعداد السيارات في جدة محدودة، وأصحابها معروفين بالاسم والمنزل والحارة.
حينذاك لم يكن هناك رجال مرور، بل فقط رجال شرطة. لم أكن أشاهد رجلاً يقف لينظم المرور، إذ لم تكن هناك حاجة إلى ذلك لقلة السيارات وقلة الشوارع المرصوفة أو المسفلتة. ولكنني كنت أعجب كثيراً بذلك الضابط الوسيم المهندم الذي يلبس دائماً بدلة عسكرية نظيفة، وقامته المعتدلة وخطواته المنضبطة عندما يأتي إلى مجلس جدي يرحمه الله في حارة البحر ويضرب له التحية العسكرية بشكل يدعو إلى الإعجاب. وكان ذلك الضابط هو أشهر عسكري تقريباً في جدة، ومحبوباً من الجميع، واسمه عبد الله خطاب، يرحمه الله.
أعود إلى رجل المرور في وقتنا الحالي. هذا الرجل المسؤول عن تنظيم المرور في جدة (كما في غيرها من المدن السعودية) يواجه أخطبوطاً عمرانياً هائلاً، يتمدد شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، وطرقاته المسفلتة والمرصوفة تزيد عن ألفي كيلومتر على أقل تقدير، تسير عليها أكثر من مليون سيارة يومياً.
ليس ذلك فقط، بل على هذا الجندي (رجل المرور) الباسل أن يتعامل مع شتى السائقين، من أبناء البلد أو من الوافدين. عليه أن يتعامل مع السائق السعودي من مختلف الأعمار والخلفيات، ومع السائق الوافد من مختلف الجنسيات والمستوى التعليمي والبيئي، ومع السائق الملتزم والسائق الأرعن، ومع الصغير والكبير، وأن يتحمل كل ذلك في جو صيفي حار وخانق، وألا يفقد أعصابه ويتعامل مع الجميع بجدية وصرامة ولكن بأدب واحترام. والمزعج في الأمر أن رجل المرور لدينا، وهو الرجل المكلف بالحفاظ على أمن السير في الطرقات وعلى حياة المواطنين وعلى الشكل الحضاري لمدننا السعودية، لا يكاد يجد التقدير المناسب من المواطن ومن الوافد، ولا حتى كلمة الشكر والاعتراف بالجميل. لا أقصد بذلك أن نتوقف عند كل رجل مرور ونلقي عليه التحية وكلمات الشكر والثناء، وإنما المقصود هو أن نتعاون فقط مع شرطي المرور ونسهل له عمله في حماية أرواحنا والحدّ من حوادث السيارات الأليمة. كل ما علينا عمله هو أن نحترم أنظمة المرور التي وضعناها نحن لنكون قدوة للوافدين بالالتزام بها، وأن نعرف مالنا وما علينا في الطرقات، وأن يكون واضحاً لدينا أن الطريق ليس ملكاً لنا وإنما هو ملك للجميع. وللجميع فيه واجبات وحقوق لابد من التقيد بها. هذه فقط هي كلمة الشكر والتقدير التي ينتظرها منا رجل المرور في بلادنا لتساعده في نجاح مهمته.
عندما كنت طالباً في ألمانيا، كنت أشاهد في أعياد الكريسماس ورأس السنة الميلادية الكثير من سائقي السيارات يقتربون من أكشاك شرطي المرور وهو يؤدي عمله في كبار الميادين والتقاطعات الرئيسية في المدينة التي أدرس بها، ويضعون الهدايا الموسمية من مشروبات وعلب الحلوى والشوكولاته أمام كشك رجل المرور اعترافاً بجهوده وتقديراً له، فيشير لهم هذا بتحية شكر ودودة وابتسامة رقيقة. هكذا تتعامل الشعوب المتحضرة مع الرجال المنوط بهم مهمات تختص بالحفاظ على أمن المجتمع وسلامته وحياة أفراده، وهو تعامل راقٍ يستحق التقليد.
أضف تعليقك