أفيـــــــاء
مسايرة الجماعة
قال الأوزاعي: «واصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك فإنه يسعك ما وسعهم».
هي عبارة لعلها قيلت تحت تأثير ظرف معين أو حادثة خاصة، لكنها فيما بعد اختيرت على يد البعض لتكون قاعدة للحياة الفكرية فتبنتها الأجيال المتلاحقة فكان في ذلك كارثة على الناس، وأي كارثة!
كثيرون هم الذين يُعجبون بمثل هذا الرأي ويرون فيه عين الصواب فيتبنونه ويُدافعون عنه ويلومون من يُعارضه، فالغاية عندهم هي عدم المخالفة لما قال به الناس وليس الوصول إلى الحق، هم يرون أن سير المرء ضمن خط السير المنسابة عليه ركائب الناس عامة آمن له من الانحراف يمنة أو يسرة في طرق غير مطروقة حتى وإن ظن أنه عاثر على ما هو أفضل. ويُذكرنا هذا بنصيحة ابن المقفع الخالدة حين قال: «على العاقل أن يتجنب القول الذي لا يجد عليه موافقاً وإن ظن أنه على اليقين».
وإذا كان ابن المقفع يُقدم السلامة على طلب الحق فيحذر من المخالفة حتى وإن كان فيها الصواب، فإن عبارة الأوزاعي تتضمن فلسفة مختلفة نوعاً ما، هي تتضمن أن الناس لم يتفقوا على أمر إلا لصوابه، فلم يكلف الفرد نفسه بالبحث عن غيره؟ ألا يسعه ما وسعهم؟ هل يظن أنه سيكون خيراً منهم فيأتي بأفضل مما جاءوا به؟
مثل هذه الفلسفة تخمد كل شعلة تتطلع إلى ما هو أفضل، فالقول بأن (ليس في الإمكان أبدع مما كان) أو (لم يترك الأول للآخر شيئاً) هي أقوال ترسّخ مفهوم المسايرة والانتقاص من القدرات الذاتية، وهذه الفلسفة لا تسيطر على أسلوب التعليم في المدارس فحسب، ولا على أسلوب التربية داخل الأسر وحدها، وإنما هي أيضاً تسيطر على المجتمع عامة فيصل تأثيرها إلى الفكر السائد بين الناس وتنتشر في ثقافة المجتمع ضاربة بجذورها إلى أعماق تلك الثقافة.
فهل يوجد بعد ذلك أمل في إحداث تغيير أو عثور على ما هو أفضل.
ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382
أضف تعليقك