50 مليونا لكل 10 أرواح
مزادات لعتق الرقاب
سعيد الزهراني (عسير) تصوير: يحيى الفيفي
في ذلك الصباح استفاقت القرية الصغيرة على حركة غير عادية وجوه غريبة وارتال من السيارات تحمل حشودا بشرية مع تواجد امني كثيف كان الجميع يتجهون صوب منزل يقع على تلة مرتفعة يحفه شريط من الاشجار، قبل ان تغرب الشمس كان اكبر ميادين القرية قد شهد جلسة صلح في قضية قتل بلغت ديتها اكثر من (7) ملايين ريال اضافة الى اكثر من (50) حالفا لليمين وثمة مشاهدات لمئات الريات البيضاء المرفوعة خلال الجلسة هذا السيناريو وغيره من مشاهدات الصلح المصبوغة بالبهرجة والتكلف يجعل الرايات البيضاء تنطلق من عقالها عن اسباب المبالغة في طلبات العفو.
في وسط هذا الزخم يغيب البعد الانساني وطلب المغفرة والمثوبة من عملية العفو. خاصة وان جلسات الصلح تشهد في الغالب الاعم طلب اصحاب الدم حليفة عدد من الحلاف قد يصل عددهم الى العشرات وقدوم حشود كبيرة ترفع الرايات البيضاء علاوة على بعض المطالب المبالغ فيها والتكلف في مثل هذه الجلسات التي من المفترض ان تكون بعيدة عن مثل هذه المظاهرة حيث اختفت في الوقت الراهن جلسات الصلح القديمة التي كانت تنتهي بالصفح والتسامح والعفو لوجه الله تعالى وحلت بدلا عنها مثل هذه المزايدات. وبين هذا وذاك كشف احد القضاة ان العام الحالي وحده شهد عتق اكثر من عشر رقاب من حد السيف بمبلغ يتجاوز الـ 50 مليون ريال.
مبالغة زائدة
وفي جلسة صلح اخرى لا تزال صورة التكلف والمبالغة ماثلة للعيان حيث طلب والد القتيل 10 ملايين ريال دية للتنازل اضافة الى مطالبات اخرى وبعد الحاح من اهل الخير قبل بمبلغ (5) ملايين ريال مع مجموعة من الطلبات الاخرى.
وفي احدى المناطق الشمالية اشترط اهل القتيل (5) ملايين ريال لاعتاق رقبة قاتل لم يتمكن ذووه من توفير المبلغ المطلوب فحتى وقت قريب كانت مجالس الصلح تعتمد على تقريب وجهات النظر بين المتخاصمين للوصول الى حل يرضي الطرفين ويقوم بهذه المهمة رجال عرف عنهم رجاحة العقل وسداد الرأي والحكمة وتقدير الامور بواقعية حيث كان كل واحد منهم يطرح رؤيته بما حباه الله من وسائل الاقناع كسرعة البديهة ورحابة الصدر وسعة الفكر ومخاطبة اطراف النزاع على قدر عقولهم ووفقا لمقتضى الحال مستندا في ذلك على ثروته اللغوية وخبرته الطويلة ودرايته بفنون الحوار.
صيغة الصلح
ومن اجل وضع صيغة مناسبة لقضايا الصلح فان شيوخ قبائل بني بجاد شهران سبق وان وضعوا اتفاقا في قضايا الصلح.
ويقضي بأن على من يقبل الصلح ويرضى بوساطة القبائل ومشايخهم ونوابهم واعيان تلك القبائل أن يوضح لهم ما وقع عليه ، ويترك الحكم في القضية للشيوخ والنواب ، على أن يُحكم فيها بمعيار العدالة والمماثلة ويُلزم المتضرر بالقبول والرضا بالحكم.
وتضمنت الاتفاقية أن من عرف عنه رغبته الاحتكام لنفسه فعلى الشيوخ والنواب عدم التدخل في هذا الصلح أو المشاركة فيه لأنه يعد صلحا جائرا ، والشرع كفيل بإعطائه كامل حقوقه من غريمه.
كما تم الاتفاق على أنه في حالة قبول من يطلب باحتكام خصمه عليه ، ويوافق على شروط المصاب فإن ذلك يعتبر شأنا خاصا بطرفي القضية ولا يصبح لوجهاء القبائل دور في ذلك.
ومن ينظر بواقعية إلى هذه الخطوة سيجد أنها بناءة وتحقق الهدف من الصلح القبلي وسيرى أنها وسيلة مثلى للقضاء على السلبيات والتجاوزات التي ظهرت أخيرا في أمور الصلح القبلي عند المنازعات وخاصة ما يتعلق بجانب المغالاة والمزايدة والاشتراطات غير المنطقية مقابل القبول بالصلح.
شروط تعجيزية
ويؤكد الواقع أن المبالغة والمزايدة والشروط التعجيزية ستظل هي الوسيلة التي يحتكم إليها الأفراد في ظل سطوة العادات وكثرة الذين نذروا أنفسهم لعمل الخير والإصلاح بين المتنازعين باذلين في سبيل تحقيق هذا الهدف والبحث عن مرضاة الله الغالي والنفيس ،ولكن الأمر بحاجة إلى ترتيب الأوراق وتنويع الوسائل لأن الرضوخ لطلبات من بأيديهم العفو سيتيح المجال للمزيد من المبالغة بما يجعل الوصول إلى نتيجة مرضية لمجالس الصلح القبلية مستحيلة في المستقبل خاصة أن ماكان يسمى «بالدية» أصبح نسيا منسيا بعد أن تمت مضاعفتها مئات المرات.
ومن البديهي أن يكون هناك تنظيم واتفاقات تحكم هذه المجالس حتى تستمر في السير على دروب الخير لإشاعة التسامح بين الناس ولكي لا يقف الذين نذروا أنفسهم لهذه المهمة مكتوفي الأيدي بسبب العجز عن تحقيق مطالب أولياء الدم أو إقناعهم للتخفيف منها.
ولأن مجالس الصلح المتسمة بالتكلف والمبالغة في المطالبات اصبحت بمثابة مزايدات من قبل بعض اهل الدم ووسطاء الصلح فان القضية التي تخرج من ساحة القصاص تتثمل في كيفية استئصال مثل هذه المظاهر وتكريس ثقافة التسامح هنا يدلي عدد من اهل الرأي والمشائخ بآرائهم حول هذه القضية ويضعون النقاط فوق الحروف فيما يتعلق بكافة تفاصيلها.
الدكتور عبدالله الفيفي عضو مجلس الشورى قال انه حينما تدخل المتاجرة بكل شيء في حياتنا فلا يستغرب ان يتاجر بالدماء ويستدرك: صحيح ان اولياء الدم اولى بتقرير ما يشفي صدورهم من قصاص او دية الا ان من جشع النفوس ان يكون مقابل العفو عن القصاص المغالاة في الدية ذلك ان العفو في منطق الاسلام يتطلع مانحه الى ان يكون اجره على الله وحيث يرى ان من الصعب فرض تحديد في مثل هذا الامر فان الامر يتوقف على ضمائر اصحاب الدم وتعلقهم بما عند الله لا بما عند الناس فالاصل ان الدية لجبر اهل الدم في فقدهم وطلب العوض الاعظم من ذلك من رب العزة والجلال لا استثمار رقاب الناس في الاثراء مشددا على ضرورة دراسة الظاهرة من ذوي الاختصاص ووضع حلول اجتماعية وشرعية لها وان يكون لمجتمع الفقة الاسلامي كلمة في هذا.
بينما قال قاضي التمييز المتقاعد الشيخ احمد محمد معافا انه لابأس بدفع الملايين للصلح ولا يعد هذا متاجرة بالدم لان من قتل المسلم ازهق نفسه وقطع نسله ويتم اولاده ورمل نسائه فان مثل هذه الحالة لا تساوي اي قيمة مهما بذل لولي الدم من مال حيث لو قص من الجاني لكان كذلك فيه ازهاق نفس وقطع نسل وما الى ذلك، وعلى هذا لا يكون الصلح متاجرة اولياء القتيل بدم المقتول وانما هذا من باب الصلح فيأخذوا ما اصطلحوا عليه ايا كان قدر الصلح.
ولا يخلو الامر من وجهة نظر الاستاذ الدكتور علي العريشي مدير ادارة التربية والتعليم بمنطقة جازان من متاجرة علنية ومزايدة على الديات حتى وصلت الى ارقام خيالية لا تتناسب مع ماجاء به ديننا الحنيف ولا تتوافق مع عاداتنا وتقاليدنا التي نعيشها منذ اجيال بعيدة، ذلك ان الدية التي اصبحت تدفع لاهل القتيل مبالغ فيها لدرجة يمكن ان يطلق عليها الابتزاز او المساومة على دم القتيل لدرجة الخروج عن الكثير من الامور الشرعية والاجتماعية وربما استغلت تلك الفئة التي تساوم على دم القتيل افعال الخير التي يقدمها ابناء هذا البلد عندما يسمعون ان هناك مشكلة تتوقف عليها حياة انسان مما يجعل ابناء هذا البلد الخير يبادرون الى دفع الديات مقابل انقاذ حياة مسلم ومواطن ولكن للاسف نجد ان فعل الخير هذا وقد استغل من قبل فئة يغلب عليها الطمع والجشع من خلال مساومتها على دم قتيلهم وبوقفة بسيطة نستطيع القول ان ذلك العفو عن القاتل مقابل الملايين هل يمكن القول عليه انه عفو؟! لهذا يدعو الدكتور العريشي الى طرح القضية امام الشرع والعلماء والمسؤولين في الدولة للحد من تلك الظاهرة التي اصبحت متاجرة بالدم وليست عفوا.
ثلاثة اقسام
ويعتقد خالد فهد الشهري مشرف تربوي بإدارة التربية والتعليم بمنطقة عسير أن مسألة المغالاة والمزايدة عند العفو وفي قضايا الدم بشكل عام تخضع للوازع الديني وقوة الإيمان ، فكلما كان الشخص قريبا من الله زادت ثقته بأن ما حدث هو قضاء وقدر ولذلك فإن الرضا بحكم الله والبحث عن الأجر والثواب يكفيان عن كنوز الدنيا جميعها.
ويصنف الشهري أولياء الدم بناء على مطالبهم للعفو عن قاتل ابنهم إلى ثلاثة أصناف فمنهم من يسعى إلى المادة كهدف أساسي يستغلها لكسب مبلغ كبير ولا يهمه ما حدث لابنه ، خاصة من كان سيئ الخلق أو الذي تجاهله والده لأنه لم يرغب في إصلاحه.ويضيف : تحضرني في هذا الشأن قصة فقد أصر أحد الآباء على أخذ نصف دية ابنه رغم أنه هو المعتدي فاشترى بها سيارة ووقع له حادث بها في نفس الأسبوع فخسر الاثنين إلى الأبد.
أما القسم الثاني فانه يسعى إلى مقاضاة قبيلة أخرى سبق أن كانت لديهم قضية مماثلة ولم يتسامحوا في الدية ويعتبرها هؤلاء فرصة سانحة أيضا للرد عليهم بالمثل وأذكر قضية حدثت لشخص من إحدى القبائل كلفته الدية 3 ملايين مقاضاة لدية مماثلة وقعت لأحد أفراد القبيلة.
ويبالغ القسم الثالث في مطالبه ويزيد في مضاعفة مبلغ الدية في محاولة لردع الجاني وأسرته لاستخفافهم بأرواح البشر وعدم مبالاتهم بما أقدموا عليه ، كما يتخذها البعض أسلوبا تعليميا للآباء الذين يشجعون أبناءهم على حمل السلاح والنيل من خصومهم لأتفه الأسباب حتى لو وصل الأمر إلى القتل مشيرا إلى أن هذا الأمر دليل على الجهل والتخلف لثقتهم بأن قبيلتهم سوف تدفع الدية ولن يدفعوا الا مثل ما يدفع الأفراد الآخرون.
ويقول الشهري: رغم إنني عايشت قضايا تم العفو فيها عن القاتل مقابل 4 ملايين وسيارة بالإضافة إلى نفي القاتل وأسرته من المنطقة ومصادرة جميع أملاكهم فيها إلا أنني حضرت مجالس صلح تم فيها العفو لوجه الله تعالى ، وهذا الأمر تحكمه اعتبارات عديدة وتحسب للمآلات عدة أمور لايمكن تجاهلها ، ولكن ما يجب أن ننكره أن تظل العادات المنهج الذي نحتكم إليه بعيدا عن شريعتنا السمحة.
استغلال وضغط
احمد بن صالح فرحان آل سعدان من منسوبي وزارة الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد قال: نعلم انه لا مانع من الاصلاح بين المتنازعين بما لا يخالف الشرع المطهر بشرط عدم الاجبار اما ما يحدث الان فإن مطالب أهل الدم من خلال الواقع عبارة عن استغلال وضغط على الجاني وأهله وجماعته ودليل ذلك الارقام الخياليه مقابل التنازل ونفي أهل الجاني واخذ مزارعهم وممتلكاتهم وأخذ الأيمان عليهم والعدول بعد دخولهم إلى ارضهم فيصبحون بلا أهل وبلا جماعة ويصبحون كذلك غرباء في بلدهم وأرضهم.
ويشير ال سعدان الى ان هناك من يعتقد ان بعض السعاة يناله نصيب الأسد من الصلح ومن المبالغ الخيالية حيث يضغط عليهم وإذا وصلوا إلى حد وأختلفوا سرعان ماينقلب ويطلب القصاص والدم وإلا تنفيذ جميع طلباته أولاً وهي تعجيزية في الغالب ثم يبت في مطالب أهل الدم بعد ذلك.
لايرضى أي طرف
ويدل على ذلك ان أي صلح عن طريق مشايخ القبائل لا يرضى به الطرفان ويخرج كل طرف يحس بأن حقه مهضوم وهذا فيه غلط كبير وهذه الظاهره متفشية حتى في بعض الادارات الحكومية وخاصة الامنية حيث يلجأ فيها احيانا للصلح وخاصة في الحوادث ويتجنبون أن تأخذ المعاملة مجراها الصحيح فهم يصلحون ولابد من أن يضغطوا على أحد الأطراف لتجنب الدخول للتوقيف أو السجن أو مواجهة الحكم الشرعي مع أن السجن دار إصلاح وتربية وترشيد وتعلم الانضباط والنظام.
ويرى ال سعدان ان للجان الإصلاح بين الناس دورا كبيرا في اشاعة التسامح وان على الإعلام مسؤولية كبيرة في الإصلاح والتعريف بطرقه وتذكير الناس بقوله تعالى ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ). وعلى أهل العلم والمشايخ والهيئات مسؤولية كبيرة في التصدي لظاهرة لجوء الناس إلى أعراف القبيلة وترك حكم الله وحكم نبيه عليه الصلاة والسلام.
وكذلك للعلماء دور مهم ممثلين في المحاكم ووزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ومن يتبعها من الدعاة الذين يجب عليهم ارشاد العامة من خلال المحاضرات والدروس العلمية والتركيز على القرى والمناطق النائية والتركيز في خطب الجمع وفي المساجد وتبيين ذلك لهم لما في الصلح من أجر عظيم وقد حثنا ديننا الحنيف عليه 0
مزاد علني
ويعتبر محمد ابراهيم فايع «كاتب صحفي ومشرف تربوي» ان الظاهرة لا يمكن ان تسمى عفوا فهي اقرب الى المزاد العلني لانها تفتقد لقيم التسامح والتضحية وحب البذل.
وهذا الامر يعد خروجا عن المنحى الطبيعي ولا يعبر عن اخلاقيات العربي المسلم الذي لم يكن المال يمثل له أي اهمية عند عقد مواثيق الصلح بينما نسمع الان عن ملايين الريالات بالاضافة الى سيارات واسلحة تقليدية واشتراطات قبلية كالتهجير عن (الديرة ) علاوة على التنازل عن ممتلكاته ومزارعه واراضيه لذوي القتيل, وكل هذا بسبب اتباع العادات والتقاليد وتطبيقها على كل شؤون الحياة ونخشى أن يتحول الصلح القبلي الى امر خيالي لا يمكن لنا تحقيقه ما لم نسارع جميعنا في دراسة الاسباب وراء هذه الظاهرة والقضاء عليها.