إحداهن تكفل الأيتام وأخرى تعول زوجها المريض
نساء يحترقن خلف البسطات
سامي المغامسي (المدينة المنورة)تصوير: رمزي عبدالكريم
يفيض الشارع بالبشر بعضهم يغني ديالوجا داخليا غير مفهوم الكلمات وآخرون تعلو البسمة شفاههم.. كل له همه الخاص وعالمه المنسوج من تفاصيل الحياة نساء ورجال وشباب يصنعون لقمتهم من الركض واللهاث اليومي ورغم ذلك لا يضجون بالشكوى أو سكب الدموع. في الشارع ربما تجد نماذج من الناس يحتفظون بهمومهم في دواخلهم لا يبوحون بها لأحد انهم يتمنون ان يجدوا ما يحفظ ماء وجوههم من سؤال الناس لذا فإنهم ينخرطون في اعمال بسيطة ذات دخل محدود مثل افتراش الارض امام مداخل الاسواق وبيع بضاعة بسيطة وذلك لكون رأس المال قليلا في اسواق المدينة تتسلل باحثاً عن نماذج تصادق الطريق وتبث اليه بهمومها واوجاعها.
في برحة بجوار سوق شعبي كانت ام خالد تجلس امام بسطتها الصغيرة المتضمنة بعض «التفاتيف» وقد اصبح مشهد وجودها في هذا الموقع بمثابة طقس يومي اعتاد عليه المارة. تقول (ام خالد): انا ام لسبعة اطفال وزوجي مريض ويحتاج الى علاج خاص بالقلب ولا يتوفر في المستشفيات الحكومية واضطر الى شراء الدواء من الصيدليات الخارجية ولا يوجد لدينا مصدر دخل لإعالة الاسرة مما اضطرني للتسول عسى ان احصل على لقمة ولو بسيطة اسد بها جوع ابنائي السبعة حتى قابلت في يوم من الايام فاعلة خير عند احدى الاشارات الضوئية وتحدثت لها عن حالتي وحالة زوجي وابنائي فقامت باعطائي مبلغاً جيداً من المال وطلبت مني ان اشتري ما استطيع من بضاعة وابيعها وبالفعل نفذت ما طلبته مني وافترشت احد الاماكن في المدينة المنورة واصبح لدي دخل يومي يتفاوت بين (80-100 ريال) يومياً ولله الحمد مما كفاني سؤال الناس وبقيت على هذا الوضع مدة ليست بالطويلة حتى جاءت البلدية وصادرت بضاعتي وحاولت ان اشرح لهم وضعي وكيف ان هذه البسطة المتواضعة حمتني وابنائي من الجوع وسؤال الناس ولكن دون فائدة تذكر، وبعد ان اخذوا البضاعة عدت لشراء بضاعة من جديد. أم علي «أرملة» ولديها اربعة اطفال اكبرهم عمره احد عشر عاماً تقول: انا هنا في هذا المكان افترش الارض لبيع بعض الملبوسات النسائية كما ابيع العاباً ومشروبات باردة وتضيف قائلة: بيتي ايجار وبعد وفاة زوجي -يرحمه الله- لم استطع توفير ايجار المنزل علاوة على عدم قدرتي على توفير احتياجات ابنائي خصوصاً ان البعض منهم بالمدارس وتقوم البلدية بأخذ بضاعتي بين الحين والآخر وأحاول استرجاعها وابلغهم انه لا يوجد لدي عائل. وتقول بحرقة: ان أخذهم لبضاعتي ومنعي من البيع سيعرضني وابنائي للحاجة وسؤال الناس. وتقول ام عبدالمحسن: وهي احدى البائعات التي تبيع امام احد الاسواق الراقية بالمدينة المنورة وتقوم ببيع ملبوسات والعاب اطفال مختلفة وذلك للقضاء على شدة الفقر الذي يعانون منه وعندما تقوم البلدية بمصادرة بضاعتهم وتغريمهم سوف يتحولون الى متسولين طبعاً وتقوم البلدية بذلك الفعل من اجل المحافظة على منظر الشوارع والاسواق، وتضيف ام عبدالمحسن اذا كان منظرنا يشوه الاماكن فليخصصوا في كل سوق مكاناً لنا ولا بأس ان ندفع اجراً رمزياً للحصول على مكان فليس من المعقول ان يخصصوا في سوق او اكثر مكاناً للنساء ويطالبوا جميع النساء بالذهاب الى هذه الاسواق للبيع فيها، عندما سألنا مصدرا مسؤولا في امانة المدينة المنورة عن وجود نظام معين فيما يخص النساء الراغبات في البيع او ما يسمى بـ«البسطات» اجاب انه لا يوجد لهن نظام بل النظام يمنعهن من البيع لما يسبب وجودهن من تشويه حضاري للاماكن التي يبعن فيها.