في «فرن» الشمس يصنع الكثيرون لقمة عيشهم، وجوه لا تعرف برودة المكاتب «المكندشة» ولا الكراسي الوثيرة، هناك حيث زوايا النسيان تجدهم يضيئون ابتسامة النهار اناس لم تغادر دواخلهم الشهامة لا يعرفون كلمات المجاملة المعلبة أحيانا يتألمون ولكن حتى لآلامهم طعم مغاير. كنت في ذلك النهار المسكون بعنفوان الشمس ابحث عن «صيد» للكاميرا هذه «المجنونة» لا تشبع ولا تنسى ملامح الوجوه استفزتني بموجات «الزوم» فخرجت تائها وهائما على وجهي كنت ابحث ثمة عن وجوه منسية استجلي منها الابتسامة فجأة ألمح بعضهم خارجا من زقاق سوق شعبي جدرانه تشربت بأزيز السيارات وصوت الباعة. اصطادت الكاميرا اكبرهم سنا كانوا للتو يتحلقون حول وجبة الغداء بعد رحلة عمل شاقة في تحميل شاحنة متجهة الى الجنوب وقف يتأمل «العدسة» ضحك في هستيريا وقال: بلهجة حاسمة:
- يا ابن الحلال مانا ناقصين شمس وقرف خلينا في حالنا.
زميله الآخر حاول «ترطيب» الموقف وطلب مني ان اصوره وسط مجموعة من الكراتين.
في موقع آخر كان مجموعة من عمال البناء يسترخون تحت بناية تحت الانشاء بعضهم يغالبه النعاس واخرون يحاولون مقاومته برشفات الشاي.
يقول عبدالله محمد مهنة البناء تحتاج الى ذهن متوقد ونشاط في كثير من الاحيان حينما ننهمك في العمل ننسى كل ما يدور حولنا ويصبح الحديث بين العامل و «بلكة» الاسمنت أو اسياخ الحديد.
وفي «قايلة» جدة الحارة جلس تحت كوبري الستين وبجانبه قارورة عصير وكسرة خبز «ناشفة».
جلست بجانبه محاولا الحديث معه لمعرفة ما يدور في داخله بدأت هل انت من سكان الحي؟ لم يرد علي بشيء. سألته عن اسمه لم يرد كررت السؤال فاجابني جعفر.
كيف ترى هذا الحر؟ اخذ يتمتم ببعض الكلمات التي لم افهمها، وفي ردة فعل على كثرة اسئلتي جمع «بقشته» التي بها بعض الملابس وانصرف عني وهو يلوح بحركات يده.
وأمام بوابة «اشياب» الفيصلية وقفت اتحدث مع احد سائقي «الوايتات» يدعى عبدالرحمن عن العمل في هذا الجو الحار الذي قال: للاسف ان بعض الاخوان يخرج بعد طول انتظار في «السرى» ويكون «متنرفز» وكأننا نحن السائقين من تسبب في ازمة المياه وتجده يتحدث معك بعصبية وينسى اننا نعمل في هذا الجو الذي لا يطاق ولكن هذا مصدر رزقنا ونحن اصبحنا متعودين.
واتمنى من أي شخص ان يتخيل نفسه يقود هذا الوايت في هذا الجو قبل ان يفكر في نقص مياه بيته.
وفي محل لبيع الاواني الحديدية والفخارية كان احدهم يقطع الحديد بالمنشار الكهربائي سألته ماذا تفعل؟ قال اجهز «تنور» حسب مواصفات معينة لطلب الزبون.
كيف تعمل في هذا الحر؟ قال «رحمة الله» وهذا اسمه: هذه لقمة العيش ونحن اصبحنا متعودين، والحرارة في عملنا تكون في الصيف والشتاء ولكن الناس لا تتحمل الجو الحار في هذا الوقت اي ان الحر يكون مضاعفا في مثل هذه الايام.
وفي أحد الشوارع الجاري حفرها لتمديدات الصرف الصحي استوقفت احد العمال وسألته عن العمل في عز الصيف وفي مكان مكشوف، قال انت تتصبب عرقا وانت الآن نازل من سيارة مكيفة باردة وظاهر عليك التعب كيف نحن ولكن هذا هو عملنا ونحن مطالبون بانجازه في وقت محدد وانصرف عني مكتفيا بهذا الحديث المقتضب لانجاز عمله دون ان يخبرني حتى باسمه وحقيقة انني لم اسأله لاني كنت افكر في كلامه. تودع هذه النماذج والشمس متعامدة وعنيدة وفي نهاية المشوار تجد انك نسيت الكثير من المواقف والمشاهد لوجوه تحاول ترطيب مشاعرها بلقمة ساخنة مستمدة من تنور الشمس ومضخمة بـ «ايدام» التعب.