البترودولار أو الدولار النفطي هو الدولار الذي تجنيه أي دولة من مبيعاتها النفطية. وكان أول من ابتكر هذا المصطلح الاقتصادي الأمريكي من أصل مصري إبراهيم عويس أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج واشنطن الأمريكية. ويعزو عويس ابتكاره لهذا المصطلح إلى الحاجة لكلمة تصف الوضع الذي نشأ في دول أوبيك خلال وبعد سنة 1973م من تأثير على الموازين التجارية للدول من استخدام الدولار كعملة احتياط. وكان مصدر القلق الرئيسي هو الخوف من تكديس الدول النفطية للدولارات في خزائنها بسبب عدم قدرتها على استيعابها محلياً في اقتصادياتها العاجزة عن التوسع واستيعاب التطبيقات التكنولوجية المتقدمة.
ورغم أن هذه المخاوف ما لبثت أن تبددت بعد أن أخذت الدولارات النفطية بالتطاير شرقاً وغرباً، إلا أن مخاوف من نوع جديد بدأت بالظهور نتيجة لتركيز ضخ الاستثمارات المملوكة لمستثمرين شرق أوسطيين في القطاع العقاري الأمريكي والبريطاني وبعض الدول الغربية الأخرى. ومصدر القلق هو أن هؤلاء المستثمرين يتصرفون بطفولية عجيبة ويشترون العقارات بأسعار تفوق قيمتها السوقية بكثير، فعلى سبيل المثال شقة في (ماي فير) بلندن عرضت للبيع مدة طويلة بثلاثة ملايين جنيه ولم يشترها من أحد اشتراها خليجي بخمسة ملايين!؟ وعلى هذا يمكن القياس. وبالطبع فإن ممارسات من هذا النوع تثير حفيظة المواطنين في تلك البلاد والمستثمرين الآخرين من دول غير نفطية لما تسببه من ارتفاع غير مبرر لأسعار العقارات وتعطيل للنشاط الاقتصادي وسرعة تدوير النقود. وتقدر الدولارات النفطية التي حصلت عليها أوبيك سنة 2006م بـ(522) مليار

فتح آفاق استثمار مجدية
وآمنة لتنمية مجتمعات الدولارات النفطية

دولار أما سنة 2007م فيتوقع أن تنخفض إلى حوالى (495) مليار دولار. أما الدولارات النفطية التي أعيد استثمارها في الخارج من أفراد ومؤسسات يحملون جنسيات دول خليجية فقد تزايدت سنة 2006م بمقدار 14 في المائة عن العام 2005م لتصل إلى حوالى (13) مليار دولار سنة 2006م، وقد آثر معظم هؤلاء العودة للولايات المتحدة لترتفع استثماراتهم في العقارات الأمريكية من (1.2) مليار سنة 2005م إلى حوالى (7) مليارات سنة 2006م لتشكل بذلك رابع أكبر مصدر خارجي للتمويل في البلاد، أما بريطانيا فقد كان نصيبها من الدولارات النفطية حوالى (4) مليارات ومليار واحد لكل من ألمانيا وجنوب أفريقيا، كما أن السويد وفرنسا أصبحتا من الوجهات المحببة للاستثمارات الخليجية. هذا ما يتعلق بالاستثمارات الفردية والخاصة أما ما يتعلق بالاستثمارات الحكومية أو ما يعرف بالسيادية، فقد زادت دول الأوبيك موجوداتها من أذونات الخزانة الأمريكية في العام 2006م بمقدار (21.2) مليار دولار لتستقر قيمة استثماراتها الكلية في تلك الأذونات حول (63.8) مليار دولار هابطة من أعلى قمة وصلتها في فبراير الماضي والتي بلغت (67.6) مليار دولار. ويلاحظ على الاستثمارات الأجنبية المباشرة لحكومات وأفراد الدول النفطية ميلها للسهولة وتجنب المخاطرة حيث لم تتعدّ نسبة استثماراتها في السوق المالية الأمريكية عالية المخاطر نسبة (0.3%) أو ثلاثة أعشار من واحد في المائة من إجمالي استثمارات السوق، أما في القطاع الصناعي الأمريكي ذي المخاطر المتوسطة فالصورة تختلف تماماً حيث تفاجأ بأن إسرائيل هي أكثر دول الشرق الأوسط تملكاً للمنشآت الصناعية في أمريكا حيث بلغ عدد المنشآت التي يملكها مستثمرون إسرائيليون 20 منشأة، وتأتي بعدها المملكة العربية السعودية بـ(16) منشأة فلبنان والكويت والإمارات. وتتضح الصورة أكثر بالنظر في أحدث بيانات وزارة التجارة الأمريكية التي تعكس الصورة الأشمل المتمثلة بإجمالي ملكية الأجانب في مختلف قطاعات الاقتصاد الأمريكي حيث بلغ إجمالي ملكية الشرق أوسطيين لـ(884) مؤسسة منها (378) لإسرائيليين و (136) لسعوديين و (55) لإماراتيين و(43) للبنانيين و(11) لكويتيين. ونظراً لما تسببه استثمارات الأفراد والمؤسسات في الدول الغربية من مشاكل للبيئة الاقتصادية المحلية التي تتوطن فيها فقد انبرى عدد من الاقتصاديين لطرح حلول وبدائل للتعامل مع هذه الأموال التي تتحرك بين القطاعات الاقتصادية قليلة المخاطرة الاستثمارية ليقترح بعضهم إبقاءها بصيغتها السائلة كحسابات جارية وعدم السماح لها بالتأثير على مستويات الأسعار والتضخم في البلاد التي تتوجه إليها، ويرى آخرون استقطابها حتى يتم التعامل معها كـ(نقود رهينة) عند الحاجة، ويرى غيرهم أن تدوّر إجبارياً لتعديل الموازين التجارية للدول الصناعية، ويرى آخرون إنشاء صندوق من هذه الأموال شبيه بصندوق النقد الدولي للاستثمار التنموي في دول العالم الثالث.
أما نحن فنرى أن أفضل وسيلة للتعامل مع هذه الأموال النفطية يتمثل في زيادة القدرة الاستيعابية لاقتصاداتها المحلية بإزالة العقبات البيروقراطية المعوقة لفتح آفاق جديدة،مجدية، وآمنة للاستثمار حتى تستخدم الدولارات النفطية في تنمية تلك الدول التي تحصل عليها مقابل فقدان ثرواتها القابلة للنضوب وحتى تجنب حكوماتها ومواطنيها نقمة الشعوب التي تزايد عليها بأموال لا تحسن التصرف بها.
altawati@yahoo.com