ورقة ود
جهير بنت عبدالله المساعد
كل عام وأنت ملكنا...
كان أهلنا يُؤرخون السنين بحوادثها الجليلة، فكانوا يقولون سنة الرحمة ولد فلان الفلاني أو مات أو حدث كذا وكذا.. وسنة الجراد تزوج فلان وفلانة.. وسنة المغزى شرق حدث كذا وكذا... وهكذا لم يكن التاريخ بالنسبة لهم أياماً وشهوراً وأعواماً.. كانت حوادثهم التي تمر عليهم ومشاغلهم ومصائبهم وأحزانهم... والنادر فرحهم.. وكأن التاريخ حياتهم الخاصة.. أو كأن عالمهم هو الدنيا بأسرها!
وأذكر أن والدي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته كان يقول سنة وفاة الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- جاء فلان الفلاني الرياض! أو جاء المولود فلان!.. أما أفضل أبنائهم فأولئك المُؤرخ ميلادهم على حياة الملك عبدالعزيز رحمه الله. فيقولون هذا ولد قبل وفاة الملك عبدالعزيز بعام.. وتلك بعامين، وهكذا إلى خمسة أعوام قبل وفاته يُؤرخون لميلاد أبنائهم. أما الأبناء الذين لم يحالفهم الحظ عند أبي فأولئك الذين واللواتي لم يدخلوا الدنيا في عهد الملك عبدالعزيز. ويُؤرخ ميلادهم بوفاته إلى حد الخمس سنوات أيضاً.. فيقولون هذه ولدت بعد وفاة الملك بخمس سنين!!
واليوم أحذو حذوهم في هذه الورقة.. ومن شابه أباه ما ظلم.. وأقول يوم وفاة الملك فهد رحمه الله أطل علينا وجه الملك عبدالله يُودّع أخاه إلى مثواه الأخير.. وأمام قبره يُرسل نظرته الأخيرة ويمسح دموعه حزناً على فراقه.. في حين كان المتعارف عليه عربياً في التاريخ المعاصر أن البلاد العربية المجاورة وغير المجاورة شهدت انقلابات شتى.. ظهر فيها انقلاب الابن على أبيه فكيف الأخ على أخيه! وقد عزله وسحب البساط من تحته.. ليعيش ذليلاً ومقهوراً ومطروداً..!! كما شهدت تأقلم الناس مع مثل هذه الانقلابات العائلية.. كانت صورة الملك عبدالله منفردة ومتميزة ومُشعّة بالانتصار للمحبة والأخوة والإيثار في ظلال روابط أسرية حميمة غير مسموح فيها أن تعلو الصغائر ولا أن تفوز الشهوات. ولولا ذلك ما كان لآل سعود كل ذلك الصمود القوي المبهر وكل ذلك البقاء الأجمل. لقد صحب الملك عبدالله أخاه الملك فهد صحيحاً ومريضاً.. وفي كل الأحوال كان يقف وراءه لم يحاول التقدم إلى الأمام ولو مرة.. ولم يحاول خطف الأضواء لصالحه إلى أن واراه الثرى وبقي يبكيه.. لم يكن الملك عند عبدالله غير البر والوفاء والصحبة النقية لذا عندما تولى الأمانة مارس طبعه الخاص ولم يتطبع بطباع الملوك والزعماء أو بطباع أبهة الملكية وعظمتها.. والنادرون من الزعماء هم أولئك الذين كلما مرت الأيام ازداد حبهم في القلوب. وهذا ما يحدث مع الملك عبدالله الذي صنع لبلاده خيرات كثيرة ومنجزات أكثر لكن أهم ما أعطاه للناس هو الحب ولم يأخذ منهم غير الحب. صناعة المحبة وتصديرها هي قدرته الفريدة وميزته الخاصة عند الخلائق، الملك عند عبدالله قوامه محبة وتحركاته محبة وسلطانه محبة، وهذا هو العام الثاني للحب.. كل عام وأنت طيب يا حبيب الكل..
أضف تعليقك