حوار الاماكن
الخيف نافذة لتاريخ الدعوة
هاني اللحياني (مكة المكرمة)تصوير: صالح باهبري
قبل ان أقوم بزيارة مسجد الخيف في مشعر منى كانت تهطل في ذاكرتي روحانية هذا المكان والملامح التاريخية لهذا المسجد الذي يعد نافذة لتاريخ الدعوة. في مشعر منى حيث يقع هذا المسجد كنت وحدي مع زميلي المصور باهبري.. المكان يفتح بهوا روحانيا في ذاتك فلا ضجيج سوى الريح العابرة فوق هامات الخيام المطورة.
وبمجرد الوقوف على سفح جبل ثبري وإخوانه من الجبال المطلة على مشعر منى يعني الإطلالة على علم من أعلام أحدى أهم محطات رحلة فريضة العمر هو مسجد الخيف الذي يمكن أن يسمى مسجد «الثلاثين» يوماً حيث أن مسجد الخيف عادة ما يفتح قرابة 30 يوماً على مدار العام فقط في أيام الحج أمام المصلين من الحجاج فيما يغلق أبوابه طوال العام إلا يوم صلاة عيد الفطر المبارك. يقع مسجد الخيف على المنحدر الشمالي من سفح جبل الصايح وعلى مقربة من الجمرة الصغرى ويقع على يمين الذاهب إلى عرفات وتقول المصادر التاريخية أن الموقع الذي بني عليه المسجد كان هو الموقع الذي نصب فيه عمرو بن لحيّ الأصنام حيث نصب بمنى سبعة أصنام نصب صنمين على القرين الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى ووضع أصناما اخرى على المدعى والجمرة الأولى وفوق الجمرة العظمى وقسم عليهم حصى الجمار وهي 21 حصاة يرمي في كل وثن منها بثلاث حصيات وقد أراد الله تعالى أن تكون هذه البقعة طاهرة تعلن فيها راية التوحيد ويرجم فيها شياطين الجن وترتفع منها أصوات عباده مكبرين ومهللين وذكرت المصادر أن أول من دون وصفا تفصيلياً عن مسجد الخيف هو مؤرخ مكة الأزرقي وقد مرت عمارة مسجد الخيف بعشر مراحل حيث عمره الخليفة العباسي المعتمد سنة 256هـ وجدده الوزير الأصفهاني عام 559هـ وعمرته أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي سنة 618هـ وجدده الملك المظفر صاحب اليمن وأقام فيه مئذنة عام 674هـ ثم جدده التاجر الدمشقي أحمد المعروف عام 720 هـ كما جدد المسجد في عام 820 هـ على يد الشيخ على البغدادي ثم جدده قيتباى وأقام فيه القبة وبني إلى جوارها مئذنة عام 874هـ وعمره والي جده وشيخ الحرم سليمان بك عام 1072هـ في عهد السلطان محمد فزلار أغا فيما كانت آخر عمارة له في عهد السلطان محمد خان عام 1092هـ.. وتعتبر التوسعة السعودية لمسجد الخيف الأكبر في تاريخ هذا المسجد إذ بلغت أكثر من 45 ألف متر مربع خلاف المساحات المهيأة للمصلين حول المسجد ويلاصق المسجد الآن وحدات سكنية لكبار ضيوف وزارة الشئون الإسلامية يتم استقبالهم فيها أثناء مواسم الحج كما أن هناك مكاتب إدارية ملحقة به.
ولمسجد الخيف مكبريه خاصة يرفع منها عدد من مؤذني المسجد الحرام الذين يتم تكليفهم أيام الحج برفع الأذان منها وهو ما لم يعرف في كل مساجد مكة غير المسجد الحرام ولهذه المكبرية طرازها المعماري الخاص وهي تقع مواجهة للمنبر والمحراب وهي مربعة الشكل تقوم على أعمدة وللمسجد أعمدة ذات أشكال هندسية بلغ عددها 403 أعمدة وهي من النوع الأسطواني يبلغ متوسط ارتفاعها أربعة أمتار ونصفا.
مسجد مكشوف
وأنا أدلف إلى طريق الجمرات باتجاه مسجد البيعة مساء كنت أعيش قدسية المكان وعظمته ووسط أزيز المعدات الثقيلة للقطع الصخري التي أعتلت قمم جبل ثبير المطل على ساحات الجمرات والذي يقع أسفل منه هذا المسجد التاريخي شعرت برهبة الموقف وأستنشقت أريج حقبة مهمة من تاريخ الدعوة الإسلامية في العهد المكي ففي هذا المكان عقدت أول بيعة في الإسلام في عهد كانت الدعوة فيه تعيش حصاراً خانقاً من أهل الضلال في مهبط الوحي ومنطلق الرسالة «مكة المكرمة» كانت الساعة تشير إلى السادسة مساء والمكان خال إلا من بقايا حراس الشركات التي تقوم بأعمال تسوية جبال منى تسللت بهدوء ووسط غابة من أبنية الصفيح وأشجار البزرومي بدا لي مسجد البيعة التاريخي وحيداً وكما زرت قبل أكثر من عشر سنوات لكن الذي تغير الآن أن أبوابه مفتوحة وعلى أرضه بقايا سجاد للصلاة في وقت وجدته مغلقاً تحاصره النفايات وقد علمت من الحراس المتواجدين أن ارتفاع أعداد العمالة المنفذة لمشاريع منى ساهم في فتح المسجد امام المصلين.
الدكتور محمد بن فهد الفعر الأستاذ بقسم التاريخ والحضارة بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية وأحد الذين قاموا بدراسة الموقع قال النص التأسيسي لبناء المسجد أوضح أن المسجد بني في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور سنة 144 هـ ليظهر أثر العباس بن عبد المطلب في البيعة التي حضرها وعقد عقدها للرسول صلى الله عليه وسلم والمسجد يقع أسفل جبل ثبير على يمين النازل من منى لمكة ويبعد عن الجمرة الكبرى حاليا بكيلو متر تقريباً وتبلغ مساحة المسجد مقدار 500 متر مربع حيث يبلغ طول الجهة الشمالية للمسجد بـ 27،90 متراً وعرض الجهة الشرقية بمقدار 17 متراً وهو على شكل مستطيل ويلاحظ ارتفاع جدار رواق القبلة عن باقي الجدران حيث يبلغ ارتفاعه 7 أمتار ومما يلاحظ على هذا المسجد أنه عبارة عن بناء قديم مكشوف لا سقف له وهو مبني من الحجارة والآجر وليس له مآذن أو شبابيك وقد كان مغلقاً حيث لا يستخدم في الصلاة بسبب عدم وجود طريق للمارة عليه سوى أيام الحج ويتوسط جدار القبلة محراب عميق مكون من ثلاث حنيات وهي تبرز عن جدار القبلة وتكتنف هذا المحراب حنيتان عميقتان تعلوهما عقود مدببة ويعلو جدار القبلة خمس عشرة عقدة وعلى جدار القبلة نص منقوش غير مؤرخ يتألف من خمسة عشر سطراً مكتوبا بالخط الحجازي المزوي ومحفورا حفراً غائراً وقد أبان النص ان الذي بنى المسجد الخليفة أبي جعفر المنصور ليظهر أثر عمه العباس بن عبد المطلب في البيعة كما يوجد في الجهة الجنوبية نص آخر عدد أسطره تسعة ومؤرخ عام 144هـ وهو مكتوب بنفس الخط والغرض من بناء المسجد وهو أن يعرف الحجاج وأبناء السبيل المكان الذي كانت فيه البيعة والتي كانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام وقد تم بناء المسجد أثناء ولاية السري بن عبد الله على مكة المكرمة الذي كان أحد أفراد الأسرة العباسية وقد عدد الدكتور الفعر عددا من الأخطاء التي وقعت في النصوص الكتابية المنقوشة.
وأضاف الدكتور الفعر: ويشتمل مسجد البيعة على رواقين الأول للقبلة الموازي لجدار المحراب وتبلغ مساحته أكثر من أربعة أمتار ونصف وتعلوه خمسة عقود مدببة ويقع الرواق الثاني في نهاية مبنى مسجد البيعة موازياً للجدار الشمالي ويقع محراب الصلاة في وسط جدار الجهة الغربية.
وعن حدود منى الشرعية يقول الباحث الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء أن حدها من وادي محسر الى جمرة العقبة، ووادي محسر، وجمرة العقبة ليسا من منى، وفي الاثار ما يؤيد هذا روى العلامة الازرقي بسنده الى ابن جريج قال: قلت لعطاء: اين منى؟ قال: من العقبة الى محسر، قال عطاء: فلا احب ان ينزل احد الا فيها بين العقبة الى محسر حدثنا ابو الوليد، قال حدثني جدي، اخبرنا مسلم عن ابي جريج قال: اخبرنا نافع، قال: كان ابن عمر يقول، قال عمر: «ولا يبيتن احد من الحجاج وراء العقبة حتى يكونوا بمنى، ويبعث من يدخل من ينزل من الاعراب من وراء العقبة حتى يكون بمنى».
هذه الحدود متفق عليها في الراجح من المذاهب الاربعة، وسيأتي عرض لنصوص كل مذهب.
في ضوء هذا التحديد لحدود منى المتفق عليه بين المذاهب الاربعة رسمت حدود منى في الوقت الحاضر ووضعت في اطرافها من كل جهة وصوب لوحات ارشادية لبدايتها ونهايتها مرفوعة الى اعلى بمقدار ستة امتار في خط عريض، وبألوان ظاهرة ملفتة على لوحات من الصاج، مرفوعة على اعمدة حديدية، بحيث لا تنالها الرياح، وفي مرحلة تاريخية سابقة شيدت العلامات الارشادية بناء بالحجر والاسمنت المسلح، وما زالت قائمة، وفي اشكال هندسية متميزة وقد وضعت تحت اشراف هيئة شرعية، وفيما يلي نصوص المذاهب الاربعة على تعيين هذه الحدود.
مذهب الحنفية
جرى المذهب على عدم جعل العقبة من منى، بل هي حد خارج عنها، يقول ملا علي قاري رحمه الله (اعلم ان منى شعب طوله ميلان، وعرضه يسير والجبال المحيطة به ما اقبل منها عالية فهو منها، وليست العقبة منها.
قال في رد المحتار عند قول الماتن (ورمي جمرة العقبة) ما نصه: (هي ثالث الجمرات على حد منى من جهة مكة وليست من منى، ويقال لها الجمرة الكبرى، والجمرة الاخيرة).
مذهب المالكية
العقبة وما وراءها من جهة مكة المكرمة لا تعد من منى، ولذا اوجبوا الدم على من بات عند العقبة او بعدها من جهة مكة، وهو ما ورد نصا في قولهم: (ومن بات وراء العقبة التي عندها الجمرة ليلة، او حلها فليهد، رواه ابن المواز عن مالك).
مذهب الشافعية
وضح العلامة ابن الصلاح حدود منى، ولم يعد العقبة جزءا منها في عبارة صريحة قائلا (ومنى حدها: ما بين محسر الى العقبة التي ترمي اليها جمرة العقبة).
ومنى شعب طوله نحو ميلين، وعرضه يسير، والجبال المحيطة به ما اقبل منها علي فهو منى، وما أدبر منها فليس منى، ومسجد الخيف في اقل من الوسط مما يلي مكة، وجمرة العقبة في آخر منى مما يلي مكة.
وليست العقبة التي تنسب اليها الجمرة من منى، وهي العقبة التي بايع رسول الله عندها الانصار قبل الهجرة.
مذهب الحنابلة
يتفق الحنابلة مع المذاهب الثلاثة السابقة في حدود منى، وانها (من وادي محسر الى جمرة العقبة، ووادي محسر وجمرة العقبة ليسا من منى)،. حينئذ فالمعتد به في حدودها هو (ما بين وادي محسر وجمرة العقبة) رقعة منى رقعة محدودة المساحة، وهي مكان اقامة الحجاج ولأيام عديدة، تتجلى سماحة الاسلام ويسر تشريعاته حين يزدحم الحاج، ويضيق المكان ويتحدد الزمان، ويضعف الانسان، او تضيق عنده ذات اليد لاكمال النواقص وتعويض الواجبات، الاخذ بالمقصد التشريعي التيسير والسماحة هو المخرج من هذا المأزق الحرج؟
قال ابو الوليد اسم الجبل الذي مسجد الخيف باصله (الصفائح) واسم الجبل الذي وجاهه على يسارك اذا اتيت من مكة: القابل، وهو من الأثبرة».
وعن فضل منى قال الدكتور أبو سليمان:
ذكر العلامة الازرقي رحمه الله تعالى تحت عنوان (ما جاء في مسجد الخيف وفضل الصلاة فيه)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: صلى في مسجد الخيف سبعون نبيا، كلهم مخطمون بالليف.
وعن ماجد انه قال: حج خمسة وسبعون نبيا كلهم قد طاف بالبيت، وصلى في مسجد منى فان استطعت ان لا تفوك الصلاة في مسجد منى فافعل.
وعن ابن جريج، عن عطاء قال: سمعت ابا هريرة يقول: لو كنت من اهل مكة لاتيت مسجد منى كل سبت.
ومن مسجد المشاعر مسجد سيِّد الأولين والآخرين وهو بمِنى عند الدار المعروفة بدار المنحر بين الجمرة الأولى والوسطى على يمين الصاعد إلى عرفة، وهذا المسجد يُنسَب إلى النبي صلى الله عليه وسلم على ما يُقَال؛ لأن فيه حجرًا مكتوبًا فيه: «هذا مسجد سيِّد الأولين والآخرين، صلَّى فيه الضحى، ونحر هديه، وفيه أن الملك قطب الدين أبا بكر بن الملك المنصور عمر بن علي بن صاحب اليمن، أمر بتجديد عمارته بعد زيارته في سنة 645 هـ، وهذا المسجد في قبلته بابان، ولا حائط له من جهة المشرق، وله أربعة أبواب، باب في الجهة الشامية، وباب في الجهة اليمانية، وبابان في الحائط القبلي: واحد عن يمين محرابه، وآخر عن يساره، وطول هذا المسجد من المحراب إلى مؤخرته ثمانية أذرع، وعرضه سبعة أذرع».
مسجد المجزرة الكبيرة
وهو قرب المجزرة الكبيرة من أعلاها على يمين الهابط إلى مكة ويسار الصاعد منها، يُقَال إن النبي صلى الله عليه وسلم- صلَّى فيه المغرب، وهذا ما وُجِدَ على حجرين فيه:
أحدهما بخط عبد الرحمن بن أبي حرمي، وفيه أنه عُمِّر في رجب سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وفي الآخر أنه عُمِّر في سنة سبع وأربعين وستمائة.
وطول هذا المسجد من الجدار الذي فيه بابه إلى الجدار المقابل له سبعة أذرع، وعرضه خمسة أذرع، وذلك من الجدار الذي فيه محرابه إلى الجدار المقابل له، وبين باب هذا المسجد وجدار باب بني شيبة -أحد أبواب المسجد الحرام- خمسمائة ذراع وعشرة أذرع ونصف ذراع بذراع اليد المُقَدَّم ذكره.
ويُوهِم بعض أهل العصر أن هذا المسجد الذي ذكر الأزرقي أن عنده قرن مسقلة (ومسقلة) اسم رجل كان يسكنه في الجاهلية عند موقف الغنم، وأن النبي- صلى الله عليه وسلم- بايع الناس عنده يوم فتح مكة.