على خفيف
أكلةُ الديّات ؟!
قبل سنوات عديدة كنت في زيارة لأحد أقسام الحقوق المدنية لإنهاء موضوع لصديق يعمل معلماً مع صاحب أرض اشتراها صديقي منه ثم شجر بينهما خلاف حول تسديد أقساط الأرض. فكان هناك سعي من جانبي ومن جانب أصدقاء البائع لتسوية المسألة ودياً، وذلك ما كان بتوفيق من الله، ويومها وجدتُ رجلاً مسناً من المقيمين الآسيويين يبكي بحرقة ومرارة في مكتب أحد موظفي القسم، فيما كان الموظف يهدئ من روعه ويؤكد له أن حقه لن يضيع وإن طالت مدة المطالبة به وماطل المدّعى عليه، فاستفسرت عن الأمر فعلمت أن ذلك الرجل المسن قد فقد ابنه الشاب المتزوج حديثاً، في حادث دهس وأن الشاب ترك خلفه امرأة حاملاً بطفل، وقد حكم الشرع له بالدية مائة ألف ريال ولما استلمها أقنعه كفيله بحفظها لديه واعداً إياه بإعادة مبلغها له فور طلبه وأنه فعل ذلك حفاظاً على المبلغ من الضياع. ولكي يُربي به الطفل الذي ولد خلال فترة المطالبة بالدية والحكم بها شرعاً. ولكن الذي حصل أن ذلك الكفيل أكل دية ابن مكفوله ثم أخذ يُماطل ويُسوف ويعد بتدبير المبلغ في أقرب فرصة. فلما مرت شهور على المماطلة والتسويف والوعود تقدم الوافد بشكوى إلى المحكمة استطاع من خلالها إثبات الحق بصك شرعي، ولكن الكفيل المخاتل ظل يراوغ ويتهرب ويعد ولا ينفذ، مما اضطر ذلك الوافد المسكين للجوء إلى الحقوق المدنية لعلها تساعده على إعادة المبلغ إليه بعد أن أصبح سحتاً في بطن ذلك الكفيل. ولا أعلم ما انتهى إليه أمره ولكنني قمت في حينه بالاتصال بمسؤول في الشرطة وذكرت له ما سمعته في قسم الحقوق المدنية طالباً منه حث رجاله في القسم على مساعدة ذلك المسكين على استعادة دية ابنه من كفيله ولعلهم فعلوا ذلك بعد فترة من المطاردة!
وقد أعادني إلى هذه «السيرة» ما قرأته في إحدى الصحف مؤخراً عن قيام شركة تأمين بتقديم وثيقة تأمين لسائق حافلة تسبب في مقتل وافدين أم وابنها فسُجن السائق وحكم عليه شرعياً بالدية وقدرها مائة وخمسون ألف ريال، إلا أن السائق أخرج من السجن بعد تقديمه وثيقة التأمين فلما راجع ولي أمر القتلى شركة التأمين لصرف التعويض من قبلها باعتبارها تتحمل حسب نظامها دفع التعويضات من ديات وغيرها نيابة عن المؤمن عليهم بموجب وثائقها، قيل للمراجع وهو أيضاً وافد بائس إن الوثيقة التي أعطيت للسائق جاءت على سبيل «المجاملة» وأن الحافلة التي ارتكب سائقها الحادث ليست مسجلة لدى شركة التأمين! فلما هددهم بالشكوى عرضوا عليه -على حد قوله- نصف المبلغ وبالتقسيط غير المريح؟! فرفض العرض «اللئيم» ولجأ للصحافة لنشر قصته عارضاً صورة الصك ووثائق أخرى. وبذلك يعيد التاريخ نفسه فإذا كان ذلك الكفيل الخسيس قد أكل دية ابن مكفوله فإن شركة التأمين المشار إليها تحاول أكل دية امرأة وابنها بعد أن ارتكبت جريمة تزوير وثيقة تأمين لإخراج السائق من السجن دون أن يتحمل هو أو هي ديات القتلى بموجب الحكم الشرعي.
ولعل الجهات المختصة تطلع على ما نُشر إن لم تكن قد اطلعت عليه وتلزم شركة التأمين بتعويض الوافد عن دية «قتلاه» وتفتح تحقيقاً أمنياً حول وثيقة التأمين التي أُعطيت مجاملة للسائق وليكن الجزاء رادعاً ومؤلماً منعاً لتكرار ما حصل؟!
أضف تعليقك