على خفيف
تكنيس البيت البعيد
يستطيع أي كاتب عربي أن يمسك بقلمه ويقول ما يحلو له من نقد لتصرفات أي زعيم غربي بدءاً من زعماء الولايات المتحدة وانتهاء بزعماء اليونان!، لاسيما إذا كان الجو العام في الشرق الأوسط يسمح بذلك النقد المفتوح، كما أن مما يشجع الكتاب العرب على نقد وربما شتم رؤساء الغرب أن وسائل إعلام دولهم لا تتردد عن فعل ذلك من قبيل المحاسبة والتقويم والتقييم لأعمالهم بعد قضاء عام أو عامين أو أكثر من مدة ولايتهم الأولى ويزداد نقد الإعلام الغربي لزعامته في حالة كون ولايتهم موشكة على الانتهاء لأن علامات الإنجاز أو الإخفاق تصبح واضحة ويمكن الحديث عنهم وعنها بصوت عال فيرى بعض الكتاب العرب أن في نقد زعماء الغرب «وتكنيس» بيوت الآخرين مع أنهم ليسوا من الجيران!. فيه تفريج لمشاعر مكبوتة ولآراء لم يستطيعوا البوح بها حول ما يدور في بلدانهم ومناطقهم من سياسات وفساد، ولذلك فإن أي كاتب مكبوت يجد السلوى في نقد زعماء الغرب ومتابعة ما يقوله إعلامهم عنهم والبناء عليه وإظهار نفسه بأنه صاحب رأي حر صريح مليح، فإذا فعل ذلك خرج على قومه في زينته وسألهم: ألم تروا وتقرأوا ما كتبته عن الزعيم الغربي الفلاني؟ ليكون جوابهم المنافق لقد «شرشحته» وقضيت عليه! فيزهو ذلك الكاتب بما سمع من مديح ويهز قلمه الذهبي القابع في جيبه نافثاً من دخان غليونه أو سيجاره الكوبي في وجوه المعجبين!
أما لو سئل ذلك الكاتب العربي الجهبذ عن رأيه في أوضاع وطنه ومنطقته فقد يُصاب بالرعب وربما تجده وقد تلفت يمنة ويسرة للاطمئنان إلى عدم وجود آذان قريبة فإذا اطمأن رد على سائله بالحكمة القائلة: يا بني.. ما كل ما يعلم يقال!
وهكذا فإن الشجاعة والصراحة المزعومتين لا تُرى إلا عند امتشاق الكتاب العرب لأقلامهم لنقد زعماء الأمم الأخرى مع أن الأمر قد لا يعنيهم وأن في نقد إعلام تلك الأمم لأوضاعها ما يغني عن مساهمة الأقلام المتطفلة القادمة من العالم الثالث في نقد تلك الأوضاع، إضافة إلى أن ذلك النقد المزعوم لا يدري عنه ولا عن صاحبه من وُجه له النقد فينطبق على الكاتب الناقد المثل الشعبي القائل: من يدري عنك يا من في الظلام تغمز؟!
وليت الإعلام والصحافة في العالم الثالث تكتفي بنقد الآخرين والصمت عن الأَهْلين بل إنها تساهم في تزييف الوعي وتكريس الواقع المرير حيث تُغنى في كل مناسبة أنشودة: حَبَّوه.. حَبَّوه الولد طالع لأبوه!
مع الاعتذار لسيبويه والأصمعي على عدم جر «الأب» بالياء على الرغم من دخول اللازم مع أنه يستحق أن يُجز!!
أضف تعليقك