عندما تتحول النعمة إلى نقمة..!!
يتفق الناس في الغالب على أن السعي في الحصول على المال هو وسيلة يُراد بها الوصول لغايات عدة لا يمكن تحقيقها إلا بالمال، لذا يسعى الكثيرون في سبيل ذلك بشتى الطرق والوسائل المشروعة، حيث نجد منهم من يلبي احتياجاته المتوالية بذلك المال أولا بأول، كما نجد منهم من يجمعه حتى يستطيع في النهاية الحصول على مبتغاه من جمع المال بالشكل الذي يريد، لكن هناك بعضاً آخر من الناس تكمن مشكلة أفراده في تحول وسيلة جمع المال لديهم إلى غاية، مما يعني تعطل تحقيق الكثير من الأهداف التي كانوا ينشدونها بسبب استغراقهم في جمع المال، كما تشتد رغبتهم في مضاعفته أضعافا والتلذذ بمشاهدة تلك الزيادة دون الرغبة في إنقاصها، حيث يتعارض إنفاق المال مع تطلعات الواحد منهم ومع طموحاته. في هذه الحالة بالذات، يتحول المال من نعمة إلى نقمة، وذلك لعدة أسباب أهمها:
1- أن السعي في جمعه سيكلف صاحبه وقتا وجهدا كبيرين وهذا يعني انغماس الإنسان في ذلك السعي دون هوادة أو رحمة.
2- أن الحذر في الإنفاق أو التقتير فيه يعني عدم القدرة على تلبية الاحتياجات المختلفة للفرد ولمن حوله وهذا يعني بالتالي معاناته نفسه وأفراد أسرته، ولطالما سمعنا عن أناس حرموا أفراد أسرهم حتى من الأساسيات المطلوب توفيرها بالرغم من تكدس أرصدتهم النقدية وغيرها.
3- ضياع فترة الشباب والقوة في اللهث وراء المال دون الاستمتاع بمباهج الحياة ومتعها.
4- الذنب الذي يسببه اكتناز الأموال دون الإنفاق منها في سبيل الله أو إخراج حق الله فيها.
أعجب لهذا الإنسان الذي يعيش عمرا واحدا في هذه الدنيا لا يعلم مداه، ومع ذلك فإنه يعتقد أنه سيُخلد فيها، فيكدس المال فوق المال ويحرم نفسه ومن حوله من التمتع به والاستفادة منه، فإذا ما مات فجأة تجاهل أبناؤه حتى الترحم عليه واندفعوا ينفقون المال الذي ورثوه بدون تعقل ولا روية إما بسبب سوء التربية والتوجيه وإما بسبب الحرمان المؤلم أو لغير ذلك من الأسباب، مما يعني ضياع عمر وجهد أولئك الآباء دون تحقيق الانتفاع بالأموال في الدنيا أو في الآخرة. صحيح أن التبذير مفسدة، لكن التقتير قد يقود إلى مفاسد عدة، والإنسان مكلف بالسعي في جمع المال الحلال لتحقيق الحياة الكريمة والسوية له ولأفراد أسرته، أما إذا كان يجمع المال ليفرح بمضاعفته فقط فإنه يحرم نفسه من إمكانية تحقيق السعادة والمتعة والفائدة التي قد يوفرها جميعا وجود المال، فما قيمته إذا لم يحقق للمرء كل ذلك؟؟ الحياة قصيرة والموت قد يأتي فجأة، فإذا لم يستمتع الإنسان بماله اليوم وهو في كامل صحته فمتى يفعل؟؟ أنا لا أتحدث هنا عن المال الحرام الذي يُعد نقمة بحد ذاته والعياذ بالله، كما أنني لا أعني بكلامي عن تكديس الأموال الشباب الذين يبدؤون حياتهم ويجمعون المال ليصنعوا أسس الحياة الكريمة لأنفسهم ولأسرهم، إنما أعني الناضجين الكبار الذين أضاعوا من أعمارهم الجزء الأكبر في جمع المال وآن لهم أن يستمتعوا بها وأن يفيدوا من حولهم من أبناء وأقارب ومحتاجين..
ص ب 30550 جدة 21487
E_halawani@hotmail.com
أضف تعليقك