أفيـــــــاء
ذاكر
القارئ صالح عيظة عوض المالكي يقول إن له اثني عشر ولداً، ويجد صعوبة في حثهم على المذاكرة فهم، حسب قوله، لا يدرسون إلا مادمت عليهم قائماً، وهو لا يدري كيف يعدل من سلوكهم ويزيد من اهتمامهم بدراستهم؟ ويُعلق ساخراً على كثرة حثه لأولاده على الدراسة بأنه لفرط ما يأمرهم بالمذاكرة، فكر في أن يغير اسم أحدهم إلى (ذاكر) حتى تتردد أصداء كلمة ذاكر على أسماعهم مع كل نداء يُوجهه لأخيهم.
وواضح من رسالة هذا الوالد أنه مُحبط من موقف أولاده من دراستهم وعدم اهتمامهم بها، وهو بدافع من اخلاص الأب وفرط حنوه يُكثر من لومهم على التقصير في المذاكرة وعدم بذل الجهد في مراجعة الدروس، إلا أنه لم يجنِ من ذلك أي ثمرة، بل إنه كلما زاد في لوم أولاده على عدم المذاكرة، ازدادوا نفوراً منها وإهمالاً لها. وهو الان بعد أن يئس من جدوى الحث الطويل واللوم الكثير يتلفت حوله ينشد العون على مواجهة هذه المشكلة.
الحث على الدراسة وتكرار اللوم على التقصير فيها هو على غير ما يظن كثير من الناس، لا يحد من المشكلة بل يُضاعف من ظهورها، فالإفراط في الحث أو اللوم يُولد في نفس الطالب الشعور بالتقصير والعجز والإحساس بالخيبة أنه لم يُحقق تطلعات والديه أو معلميه، ومن ثم يفقد الاعتزاز بذاته أو الرضا عنها، فيتجسد ذلك في صورة مزيد من الكراهية للدراسة والنفور منها. وحسب ما تقوله بعض النظريات التربوية الحديثة، فإن الطريقة المُثْلى لتعديل السلوك هي أن يُوجه الوالدان أو المعلمون اهتمامهم الى الجوانب الحسنة في سلوك الطالب لإبرازها والثناء عليها، وتعمد تجاهل السلوك السيئ، انطلاقاً من أن الثناء وإبراز الحسنات يبني ثقة الطالب بنفسه ويعلي من تقديره لذاته ويجعله يشعر أنه مُرضٍ لوالديه أو معلميه ومُحقق لطموحاتهم ونائل لإعجابهم، فيدفعه ذلك إلى طلب المزيد من التحسّن عن طريق مضاعفة الاجتهاد وبذل الجهد كي يحتفظ بتلك الصورة الجميلة لنفسه في أعينهم.
وهذا لا يعني أن يكذب الوالدان أو المعلمون فيثنون على الطالب ثناء غير صادق، وإنما المُراد هو أن يتحينوا الفرص التي يحقق فيها الطالب انجازاً طيباً مهما كان بسيطاً، فيبادرون إلى امتداحه والثناء عليه. كقول: «جعلتني اليوم أشعر بالرضا عندما وجدتك أنجزت الواجب المطلوب منك» أو «جعلتني أشعر بالسعادة أمس عندما رأيتك منكباً على دروسك». وهكذا دون تطرق لجوانب القصور مهما كانت. فاللوم والتأنيب يُوصل رسالة الى الطالب أنه مُقصّر وهذا يعني أنه سيئ في عيون الآخرين، بينما الثناء والتشجيع يُوصّل رسالة مُغايرة وهي أنه جدير بالإعجاب والرضا، فتكون ردة فعله في الحالين مختلفة: في الحالة الأولى يكون تقديره لذاته مُنخفضاً، فيغلب عليه اليأس في أن ينال إعجاب أحد ومن ثم يُضحي غير مبالٍ بأن يجتهد، على أساس أنا (مذموم مذموم) فما الذي سأخسره؟ أما في الحالة الثانية فإنه يشعر أن الآخرين يحملون له صورة مشرفة وأن في قدرته نيل إعجابهم، فيرتفع تقديره للذات ويصير حريصاً على تحقيق المزيد كي لا يفقد التقدير والإعجاب.
ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382
أضف تعليقك