بيت العصيد
عبدالكريم الرازحي
فرسان الكلام
القاسم المشترك بين الأحزاب القومية العربية كالبعثيين والناصريين. وبين الأحزاب اليسارية كالشيوعيين والاشتراكيين. وبين الجماعات والتنظيمات الإسلاميه. هو أن قادة هذه الأحزاب والتنظيمات والجماعات متشابهون. ووجه الشبه بينهم هو أنهم جميعاً مصابون بعاهة واحدة هي عاهة الكلام. فجميعهم يتكلمون كثيرا وإذا تكلموا لا يسكتون. وجميعهم لايعرفون كيف يصغون ويصمتون. وكل واحد منهم إذا أدلى بدلوه في أي حديث أو موضوع لا يعرف كيف يقتصد في الكلام، ولاكيف يعبر عن رأيه بأقل عدد من الكلمات. وهو لايحس بملل وضجر المستمعين. وإنما يحس بمتعة وينتابه شعور بأن كلامه ُدرر وحِكم وجواهر. وأنه إذا توقف عن الكلام ستتوقف الأرض عن الدوران. ومع أن للقطار محطات يتوقف عندها الاأن هؤلاء إذا انطلقوا في الكلام فإنهم لايتوقفون. وإذا اعترضهم أحد وحاول إيقافهم قد يتسبب في حدوث كارثة. ذلك لأنهم بلا فرامل ولاكوابح. ثم أنه لايجوز وليس من حق أي كان أن يقاطعهم عندما يتكلمون ويقطع حبل أفكارهم. ولأنهم يزعمون أنهم يملكون الحقيقة فمن حقهم أن يتكلموا ويستمروا في الكلام إلى مالا نهايه. وعلى الآخرين أن يصغوا وينصتوا ويحمدوا الله على أن هذا القيادي البارز في هذا الحزب أو ذاك التنظيم تواضع وفتح لهم فمه. عندما سألته كان الوقت حينها الساعة الثالثة ظهرا. وكان علي أن أغادر المجلس الساعة الخامسة عصرا. لكن القيادي البارز وهو فارس من فرسان الكلام برز لي وراح يصول ويجول وأنا في حالة ذهول وفي حالة رعب. ومرت ساعة ساعتان ثلاث ساعات والرجل مستمر في الكلام. كنت ضجرا اتململ وأتطلع بين الوقت والآخر إلى الساعة عله يفهم ويتوقف عن الحديث. لكنه استمر وواصل وكان منتشيا إلى درجة ان حديثه كان أشبه بمطرقة تهوي على رأسي أو كأنه سوط يجلدني به عقابا على سؤالي. يالها من ورطة! قلت في نفسي. من قال لي أسأله! ماالذي جعلني أتورط مع هذا القيادي الذي تحول الى آلة كلام وآلة تعذيب وآلة تحطيم للأعصاب! وفي الساعة العاشرة مساء وبعد مرور سبع ساعات قام من مجلسه واستأذن في الذهاب إلى الحمام. لم يكن قد انتهى من الإجابة على سؤالي وكان يتهيأ لجولة أخرى من الحديث. غير أني أنتهزت فرصة دخوله الحمام وانطلقت هاربا أتلفت خوفا من أن يلحق بي. ومن يومها قطعت على نفسي عهدا بأن لا أوجه أي سؤال لأي فارس من فرسان الكلام.
أضف تعليقك