أفيـاء
لا تلوموهم
جاء في صحيفة المدينة عدد السبت 8 جمادى الآخرة تحقيق مُحزن للغاية، عرضت فيه صورة لبعض المراهقين الأيتام الذين كانوا يعيشون في دار الأيتام بمكة، ثم لما بلغوا الثامنة عشرة سرحوا خارج الدار بحجة أنهم بلغوا سن الرشد وأن بإمكانهم الاعتماد على أنفسهم. لقد أجبر هؤلاء المراهقون على الخروج من البيت الوحيد الذي كان يؤويهم، فخرجوا وهم لا يحملون درجة علمية ولا تدريباً وليس لهم عمل أو مورد رزق، أو مأوى يلوذون به، فصاروا يهيمون متشردين في الطرقات يبحثون عن العمل وعن المأوى ويتخذون من الحدائق العامة سكناً لهم، وحسب ما تذكره الصحيفة فإن لهم على هذه الحال قرابة عام ونصف العام. إن إرغام هؤلاء المراهقين على الخروج من الدار بهذه الصورة، هو الى جانب كونه غير إنساني البتة، يبدو أمراً جد خطير على أمن الوطن وسلامة المجتمع، فهم عندما يُطلقون ليهيموا بهذه الصورة المزرية بلا مورد رزق ثابت ولا مأوى ولا مرشد، يكونون بمثابة فيروسات خطيرة تنمو وتنتشر في جسد المجتمع لتصيبه بالأذى والوهن، فالمصير المتوقع لهؤلاء هو أن يكونوا صيداً سهلاً لمروجي المخدرات ومنظمي السرقات ومشتريي الفاحشة، أو للمستقطبين من أصحاب الأفكار الضالة، ليتم دمجهم ضمن (فرق الموت).
وأجد وزارة الشؤون الاجتماعية تخطئ كل الخطأ حين تضع مثل تلك الأنظمة التي لا تنظر سوى في حدود دائرتها الضيقة، وذلك حين تعمد دورها الإيوائية الى التخلص من الأيتام بمجرد بلوغهم الثامنة عشرة لفسح أماكن للأجيال الجديدة القادمة، من غير أن تنظر إلى أنها بطردها لهؤلاء المراهقين من (جنتها) قبل أن يشتدّ عودهم ودون أن تؤمن لهم حياة كريمة خارجها، إنما هي تعرض المجتمع بأكمله لخطر الوقوع في عواقب ذلك. فاليتيم الذي تؤويه الدور الاجتماعية، يقصد به غالباً من لا قريب له على الإطلاق، أي أنه كما يُقال (مقطوع من شجرة)، فأين يذهب من كان مثله، بعد أن يغادر الدار وهو في هذه السن الغضة؟
إن وزارة الشؤون الاجتماعية مسؤولة عن رعاية هؤلاء الأبرياء الذين لايد لهم فيما حدث لهم، ومن مسؤوليتها أن لا تخرجهم من رعايتها إلا بعد أن تكون قد وفرت العمل لهم وأمنت السكن الملائم، وأن تظل تواصل الإشراف عليهم الى أن يصل الواحد منهم مرحلة النضج ويتمكن من شق طريقه والوقوف بثبات على قديمه لخوض خضم هذه الحياة القاسية.
إن هؤلاء الأيتام هم أولاد المجتمع، وقد نشأوا في دار عامة من الدور التي يُخصصها المجتمع لهم، ويُفترض أن يستمر المجتمع في التزامه تجاههم كما تلتزم الأسرة مع أولادها، فلا يتخلى عنهم لمجرد بلوغهم الثامنة عشرة سواء كانوا مؤهلين لخوض غمار الحياة أم لا.
ص.ب 86621 الرياض 11622 فاكس 4555382
أضف تعليقك