ورقة ود
جهير بنت عبدالله المساعد
أطفال ولكن!!
لا أكثر من لحظتين يمكن لقواك البصرية أن تصمد ثم تنهار أمام مشهد طفل بريء.. اعتبره يا أخي ابن عدوك وليس من بني جلدتك أو ابن جارك.. مُسجى على الأرض بإهمال.. جلده فوق عظمه البارز ولا تبحث فيه عن قطعة لحم!! كل ما فيه جمجمة ملقاة فوق البلاط.. قد يحسبها -بغير خجل- بعض الأفراد المترفين كرة في وسط الملعب، والبعض الآخر قد يظنها رأساً لإحدى الأنعام! وهي والله لطفل ضعيف لا حول له ولا قوة غير أنه يتيم وعراقي. يعني الاثنين معاً كأنما لا تكفيه واحدة!!! من رأى ذلك المشهد لابد ولو قدّ قلبه من صخر.. أن يُطأطئ رأسه هرباً من الصورة العارية التي تفضح الجسد الصغير وتفضح الإثم الكبير!! إثم ارتكاب هذه الجريمة في حق ضعفاء، أبرياء، وإثم السكوت عليها، وإثم التواطؤ على تمريرها بأقل الإجراءات الرادعة، وإثم تجاهلها وتحويلها مجرد خبر إعلامي مثير! وإثم اكتشافها بطاقم أمريكي يرى نفسه الأقدر على ستر سوءات العرب!! أجساد أطفالنا العارية في ذلك المشهد تعرّت مرتين من غير لباس ومرة تحت نظر الأجانب!! هذه صور لأطفال آدميين وليسوا أطفالاً لقطط في دار الحنان العراقية.. ماذا قلت أيها المذيع قال (دار الحنان) قال!! في حين أن كلاب الشوارع في أوروبا وأمريكا، وقطط الشوارع وحتى الثعابين السامة وجدت كلها رعاية رفيعة المستوى عظيمة الشأن أُنفقت عليها ملايين الدولارات ومشى في مظاهراتها ألوف الناشطين للدفاع عن حقوق الحيوان بين القارات!.. وفي الشرق العربي طفل آدمي مجرد من الكسوة واللقمة والصحة.. لم يصرخ لعذابه أحد!! وكل ما ناله ربما همسة على لسان متفرج.. يا حرام!! ليه كده؟! ماذا لو كان هذا اليتيم معروفاً إن كان له أم تنحدر أصولها إلى عائلة من بلاد العم سام!! قسماً بالله أن مشهداً كهذا يكفي للعالم كله أن يُدرك إلى أي مدى إنسانية العرب جميعاً ملطخة بالعار، وإلى أي مدى وصل الضمير العربي إلى مرحلة إعلان إفلاسه! لا حول ولا قوة إلا بالله، وقعت الواقعة وظهرت الفضيحة. أما كان على الأقل من واجب المنظمات الحقوقية في العالم العربي أن تعلن عن موقف لها ولو بالكلام أم أنه عالم لا يسكنه غير الوحوش المتحاربة التي تأكل بعضها بعضاً؟! ألا يوجد في العالم العربي من مائه إلى يابسه وبطوله وعرضه جهة واحدة.. مجموعة إنسانية واحدة تستطيع أن تمسح على الجرح الطفولي الغائر وتقوم بواجب الزيارة انتصاراً للإنسانية الجامعة وارتقاء بالآدمية المشتركة فتتولى مهمة إثبات أنه مازال في الوجوه العربية قطرة حياء!!! ليس مطلوباً من هذه الجهة أو المجموعة أن تحارب ولا أن تدفع البلاء، كل المطلوب منها إثبات موقف عملي للشجب والاستنكار حتى يعرف العالم أن مازال بعض الخير فينا حياً.. ومازال طفلنا المغبون.. مصوناً يا إخواني.. قلت زيارة لوجه الله. إعلان موقف لوجه الله، ألا تلاحظون أن جميع منظمات الغوث الإنساني أجنبية وجميع مهمات الرعاية الإنسانية أجنبية، بداية من صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة إلى أطباء بلا حدود!! كل الجهود ذات الطابع الإنساني مرجعها أجانب رسميون ومتطوعون!! بينما العرب هم الميدان الفسيح لهذه العمليات!! فإذا كان العالم العربي أضعف في قوته العسكرية.. فأقل المطلوب أن لا يكون الأضعف في قوته الأخلاقية والإنسانية!!
قدرك أيها البريء أن تكون عربياً..!
أضف تعليقك