أشــــواك
دعوة للتدبر
لا أحد ينكر ما يجده المواطن من ضيق ذات اليد بسبب الغلاء الفاحش وامتصاص الدخل مع المعيشة باهظة التكاليف، وكنت تطرقت إلى أن كثيراً من المواطنين دخل جحر الضب ولم يعد امامه سوى التفكير في كيفية البقاء داخل حيز النظام المعيشي قبل أن تتدهور حالته ، وفي مقالة سابقة ايضا أكدت على معرفتي التامة أن الدولة حين منحت القضاة أعلى كادر وظيفي وهذه نظرة صائبة تماما كي لا تضعف النفس البشرية أمام الإغراءات المادية التي لو تركت لاحتياجاتها وغرائزها لأكلت اليابس والأخضر وخلقت قاعدة من النفعيين والمرتزقين والمرتشين ليحل البلاء والظلم، وقد خطفت عيناي قبل سنوات خبرا أن قضاة اليابان لديهم بطاقات تجيز لهم سحب أي مبلغ مادي يرغبون في الحصول عليه كي يعصموا أنفسهم من الحاجة وأن لا تتحول احتياجاتهم إلى نقطة ضعف تغدو منطقة مساومة وبيع وشراء واسعين، ومن يرتشي بعد أن حققت له الدولة كل طلباته يصبح شخصا مريضا لا يصلح أن يكون في موقعه.
وجدت أن هذا المدخل يقرب الصورة كثيرا، فهناك وظائف لا تقل أهمية عن القضاء في تسيير شؤون الناس ترتبط بأشخاص لم تملأ عيونهم جيدا، أو بمعنى أصح لم تملأ جيوبهم وبالتالي تتحول وظائفهم إلى بؤرة لإحداث خلل إداري أو بمعنى أدق إلى فساد إداري ..
ولا أحتاج للتنقيب، فكل وظيفة من شأنها أن تسير شؤون الناس هي وظيفة خطرة ومن الأهمية بمكان أن تكون محل دراسة، فوظيفة رجال الجمارك، ووظيفة مفتشي البلديات، ووظيفة المشرفين على المشاريع الحكومية، ووظيفة حراس المال العام والخاص ، لنقل كل وظيفة يتدنى راتبها ولا يفي بالاحتياجات الحياتية الضرورية، مثل هذه الوظائف يتحول أصحابها الى إخطبوطات مهمتها القبض والتسهيل وكسر الأنظمة . وأعرف ان ليس من المعقول أن يتم إعطاء كل الموظفين دخولا تتجاوز مقدراتهم الشخصية والعلمية ومع هذا فإن نقاش ومعالجة الفساد الإداري يحتم الوقوف عند الوظائف الصغرى والموظفين الصغار قبل أي شيء آخر، فهؤلاء هم المنفذون لكل السياسات الادارية والاقتصادية فإذا لم تملأ عيونهم (ليس بالتراب طبعا ) فلن يحدث أي اصلاح إداري، وهذه هي المعضلة التي تواجهنا، ولو قدر لأحد منا زيارة السجن فسيجد أن معظم المرتشين هم من الطبقات الدنيا والامر ليس له علاقة بمستويات التعليم أو الأخلاق بل له علاقة بمستويات الحاجة، وهذه الفئات هي قاعدة المجتمع فكلما قلت دخولها كسرت حاجز الرهبة والخوف، فارتشت وزوّرت وإذا سجنت خرجت لتسرق وتزور، وتتحول المسألة الى دائرة (احتياج فرشوة فسجن فأنابيب مفتوحة من الجرائم) لأن مطالب الحياة لا تنتظر أن تجد انسانا نزيها لتسايره بل تحتاج لمن يقدر على مسايرتها بالكيفية التي يختارها المرء وفق قربه وبعده من ضيق الحياة المعيشية واتساعها.
يحدث هذا في الوظائف الصغرى، اما غيرهم ممن يرتشون ويزورون ويأكلون ناقة الله وسقياها فهؤلاء لانقول عنهم إلا حسبنا الله ونعم الوكيل.
ABDOOKHAL@YAHOO.COM
أضف تعليقك