هموم الناس
الفقهاء يحرمونه ويؤكدون على منافاته للمقاصد الشرعية
الزواج السياحي.. «بيزنس» المتعة المؤقتة
طالب بن محفوظ(جدة)
نظرت «فاطمة» باستغراب لزوجها «أحمد» حين أبدى لها عزمه السفر هذا الصيف مع صديقه «رائد» الذي لايترك بلداً إلا وسافر إليها، لم يكن استغراب الزوجة من القرار السريع لزوجها في السفر للسياحة بدونها وأولاده، فالزوجان السعيدان متعودان على السفر صيف كل عام، ويتخلله سفريات خاصة بمفرده أثناء العام الدراسي، إنما الاستغراب لقراره صيف هذا العام تركها وأولادها والسفر مع صديقه التي سمعت عنه أنه كلما سافر بلد تزوج فيها لفترة محدودة أو مايسميه البعض «الزواج الصيفي» أو «السياحي» الذي ينتشر في بعض البلدان القريبة.
هكذا بدأ ذهن «فاطمة» يفكر، وأخذت تضرب أسداسا في أخماس، خاصة أنها سمعت أن زوج إحدى صديقاتها سافر العام الماضي في رحلة سياحية أُكتشف فيها أنه تزوج في تلك الفترة القصيرة من إجازته السنوية.
نفس المعاناة مع «أم سعيد» حصلت لها العام الماضي عندما وافقت لابنها الذي لم يغادر البلد طوال حياته بالسفر للسياحة مع من ترى أنها تثق بهم وتعدهم من المتدينين، فعاد ليعترف لها أنه تزوج فتاة لمدة خمسة أسابيع ثم طلقها، بالاتفاق مع والدي الفتاة موضحاً أن هذا زواج سياحي لايخل بالشرع ولا الآداب والأخلاق.
«مروان» ابن الرابعة والعشرين ربيعاً يوضح أنه خاض هذه التجربة قبل عامين، ويعلل ذلك بأنه شاب لايستطيع مقاومة الإغراءات فاضطر لأن يتزوج هذا النوع من الزواج كي لايدخل في الزنا المحرم.
«أبووليد» رجل في الثلاثينات من عمره، متزوج ولديه عدد من الأبناء أكبرهم في المرحلة المتوسطة، يوضح أنه ضد هذا الزواج المؤقت، ومع أنه تزوج بهذه الطريقة منذ عدة أعوام إلا أنه نادم على هذه الفعلة خاصة أنه يشعر أنه استغل فقر والدي من تزوج ابنتهما وكانت الضحية هذه الفتاة التي أصبحت فيما بعد تعاني من حالات نفسية موضحاً أنه لايعرف الآن عنها شيئاً، هل شُفيت أم مازالت تعاني وليست هذه هي الضحية الوحيدة ولن تكون الأخيرة لما يسمى صفقات او «بيزنس» المتعة المؤقتة.
فهذا «إبراهيم» يوضح أنه اضطر لهذا الزواج بسبب زوجته التي «تنكد» ـ حسب تعبيره ـ عليه حياته مما جعله يقبل على ذلك ليتمتع ولو بشهرين في العام بعيداً زوجته، ومع أن أمامه حل ليتزوج من أخرى ويعيش معها طوال حياته وينجب منها إلا أنه يتعذر بأن ذلك سوف يكلفه أموالاً كبيرة لايستطيع أن يوفيها مع مايتوقعه من معاناة زوجته الأولى مما جعله يتزوج سنوياً زواجاً صيفياً.
ومع أن «أبو هيثم» يرفض مثل هذا الزواج لأبنائه إلا أنه غامر وتزوج قبل ثلاثة أعوام من فتاة أصغر من ابنه الأكبر الذي يبلغ من العمر 15 عاماً، ومع هذا الرفض بأن يكون ابنه أحد ضحايا هذا الزواج إلا أنه يوضح أنه على استعداد لخوض هذه التجربة مرة أخرى.
أسباب المشكلة
الدكتور فؤاد حمود الشبامي ـ الأستاذ بجامعة إب بالجمهورية اليمنية ـ يوضح أن مثل هذا النوع من الزواج وهذا العمر الزمني له (من أسبوعين إلى شهرين) لا يولد إلا نوعا من التفكك الأسري، كما تنعكس آثاره السلبية على أخلاق المجتمع وصحته وسلوكه وقدراته العامة مؤكداً أن مأساة الكثيرات من الفتيات في عمر الورود أنهن يذهبن إلى جحيم نزوات ورغبات وطمع وجشع الآباء إضافة إلى أن هناك أناسا فقراء أعميت أبصارهم ورأوا أن حفنة من المال أثمن من سعادة فلذات أكبادهم مشيراً إلى أن الأزواج الصيفيين ذوي قواسم مشتركة في اختيار فرائسهم من الفتيات فهم جميعاً يتوقون للتمتع بزهرة شباب الفتيات والشابات وهدفهم هو المتعة الجسدية بعيداً عن أي التزام أو مسئولية أخلاقية أو اجتماعية أو دينية وإنسانية وذلك بغرض تعويض الحرمان الذي ساد حياتهم.
وقال الدكتور الشبامي معلقاً: مع هذا الأثر الذي يمكنه أن يتركه هذا النوع من الزواج فقد نجد أن هناك مجموعة من الأسباب التي قد تقف وراء هذا الزواج» موضحاً أنها تتلخص في رغبة الفتيات بالتمتع برفاهية العيش مع هؤلاء الأزواج نظراً لحالتهم المادية المرتفعة واعتقادهن بعدم مخالفة هذا الزواج لتعاليم الشريعة الإسلامية ورغبتهن في الخروج من الدائرة المفروضة عليهن من الضغط الاجتماعي عليهن هرباً من المشكلات العائلية في عائلاتهن ورغبتهن في الهجرة خارج بلادهن مع أزواجهن والبحث عن الرفاهية في بلد هذا الزوج ورغبتهن في الحصول على مال وفير إضافة لجهل أولياء أمورهن بمقاصد الزوج ونواياه المبيتة وضعف الحالة الاقتصادية لديهم ورغبتهم في الحصول على مهر عالي مما سبب حرمان الفتاة من حقها المشروع في اختيار الزوج فهي إما تابعة لوالدها الذي يقرر ما يناسبه أو ضحية لتضليل بعض أفراد عائلتها الذي يدعي معرفته بالزوج الذي يرسم صورة سحرية له في ذهن الفتاة فتقبل الزواج طمعاً في تحقيق أحلامها ورغبة الفتيات بهذا الزواج.
زواج محرّم
عضو المجمع الفقهي الإسلامي الدكتور محمد النجيمي يوضح أن «الزواج السياحي» يدخل في إطار الشرعي لزواج المتعة والزواج المنتهي بالطلاق وهو محرم بإجماع الأمة لان الأصل في الزواج هو السكن إلى الزوجة والاستمرارية في الزواج وبناء الأسرة وقد يحصل بعد الطلاق أو أن تكون المرأة حاملاً ويضيع نسب الأبناء في مثل هذا الزواج التي تظلم فيها المرأة عندما تنجب.
زواجا المتعة والصيف
قد يشبه «الزواج السياحي» إلى حد ما «زواج المتعة»، وإذا كانا متشابهين فما الحكم الشرعي لزواج المتعة، يقول الشيخ الدكتور عبدالله الجبرين حول هذا: نكاح المتعة، وصورته أن يتزوج الرجل امرأة مسلمة أو كتابية، ويحدد المدة، بأن يشترط أن مدة الزواج خمسة أيام، أو شهران أو نصف سنة، أو عدة سنين معلومة المبدأ والمنتهى، ويدفع لها مهرا قليلا، وبعد انتهاء المدة تخرج منه، وهذا النوع رُخَّص فيه في سنة فتح مكة ثلاثة أيام، ثم نهى عنه وحرِّم إلى يوم القيامة ـ وذلك فيما أخرجه مسلم ـ وذلك أن الزوجة هي التي تطول عشرتها، كما قال تعالى: وعاشروهن بالمعروف”، وهذه لا تطول عشرتها، وأيضا فالزوجة هي التي تسمى زوجة شرعية، وتدوم صحبتها، وذكرت في قوله تعالى: “إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم”، وهذه ليست زوجة شرعية، لأن بقاءها مؤقت زمنا يسيرا، وأيضا فالزوجة هي التي ترث زوجها ويرثها، لقوله تعالى: “ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد”، وهذه لا ترث لأنها ليست زوجة لقصر مدتها مع الرجل ، وعلى هذا فنكاح المتعة يعتبر من الزنا، ولو حصل التراضي بينهما، ولو طالت المدة، ولو دفع لها مهرا، ولم يرد في الشرع ما يبيحه سوى إباحته في زمن الفتح، حيث حضره عدد كبير من الذين أسلموا حديثا، وخيف من ردتهم، لأنهم اعتادوا على الزنا في الجاهلية، فأبيح لهم هذا النكاح ثلاثة أيام، ثم حرم إلى يوم القيامة.
غياب المقاصد
الدكتور هاني الجبير ـ القاضي بالمحكمة العامة بمكة المكرمة ـ يعلق على زواج المتعة في ضوء المقاصد الشرعية بقوله: «إذا عرفنا حقيقة هذا الزواج وجدناه يهدف لقضاء الشهوة دون ترتب شيء من مقاصد النكاح الأصلية من بقاء النسل وحفظ النوع الإنساني وبذلك نكون قد ألغينا المقاصد الأصلية التي راعاها الشارع في التشريع، وجعلنا هذا النوع من الزواج مبطلا لأصل قصد الشارع من إباحته فهذا النكاح لا يحقق مقصد الشارع بل يرمي إلى تحقيق خلاف مقصوده من إباحة النكاح.
وأما مآل هذا النكاح فهو اتخاذ المرأة سلما ومدرجا لتحقيق الغرض الآني، ثم الاستغناء عنها بعد ذلك، وإذ أذكر ذلك فإني لن أشير إلى ما جاء به الشرع الحنيف من نبذ الخيانة واستبشاع الاستغلال، والمنع من الغدر وجعله المؤمنين إخوة يسعى بعضهم لمصلحة بعض مما لا يغيب إدراكه عن كل مسلم بل أذكر ذهاب الثقة حتى بالصادقين ونسبة المسلمين إلى التنقل بين مراتع الشهوات، والتلاعب بما سماه الله تعالى ميثاقا غليظا، وما يؤدي إليه من الاستهانة بأمر الفروج.