أوروبا الجديدة على حدود العرب والتعامل معها بإيجابية يحقق التوازن الدولي
خبراء السياسة الدولية: الدبلوماسية السعودية تتعامل مع المتغيرات برؤية استراتيجية
هناء البنهاوي (القاهرة)
ادركت الدبلوماسية السعودية ان عصر الاعتماد المتبادل وغلبة المكون الاقتصادي على العلاقات الدولية يستلزم فتح آفاق للحركة والتعاون مع مختلف دول العالم. وتأتي جولة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في اوروبا استكمالا للزيارة التي قام بها لكل من الصين والهند وهونج كونج وماليزيا وباكستان اواخر يناير واوائل فبراير 2006 لتفتح الباب امام تحرك جديد من الدبلوماسية السعودية نحو اوروبا بعد ارساء سياسة التحرك شرقًا، وبذلك تستكمل المملكة حلقة التحرك شرقا وغربا مستثمرة مكانتها الدولية وعلاقاتها الجيدة مع القوى والدول في العالم.
التحرك الدبلوماسي السعودي هام للغاية فهو يخدم القضايا العربية ويقدم رؤية عربية صادقة لقضايا المنطقة للعالم، وفي نفس الوقت فهو يخدم قضية التنمية في الداخل من خلال فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري بين المملكة والقوى الرئيسية في العالم. والجولة الحالية في اسبانيا وفرنسا وبولندا تستهدف استكمال التشاور مع فرنسا التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع المملكة خاصة مع تولي القيادة الجديدة في فرنسا بعد الانتخابات الاخيرة، وكذلك توثيق علاقات التعاون مع اسبانيا التي ترتبط بعلاقات تاريخية مع المملكة، وكذلك بولندا التي تتطلع لعلاقات اكثر اتساعا على المستوى الاقتصادي مع المملكة. والدول الثلاث اعضاء في الاتحاد الاوروبي، ولذلك حرصت «عكاظ» على معرفة ابعاد هذه الزيارة والتحرك الدبلوماسي تجاه اوروبا.
التجاوب مع المتغيرات الدولية
«عكاظ» : ماهي اهمية التحرك السعودي في هذا التوقيت الذي يشهد تطورات مهمة في المنطقة ؟
-سعيد :
العلاقات التي كانت تحتل موقع الصدارة بالنسبة الى المملكة هي علاقتها مع الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن الماضي، ولكن بعد تولي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله قيادة البلاد احدث تغييرا مهما في السياسة الخارجية لبلاده من خلال الاهتمام بالانفتاح على الشرق عبر جولته الآسيوية الشهيرة والتي شملت دولا فاعلة كالصين والهند وماليزيا وباكستان وغيرها، وكان هذا اول تحرك مهم في الانفتاح على الكتلة الاسيوية وهذا ما يعكس توجهاتها الجديدة في التعامل مع المتغيرات الدولية، وكانت العلاقات السعودية الاوروبية موجودة منذ امد طويل عكستها العلاقات القوية بين المملكة وبريطانيا، ودول اوروبية اخرى في اكثر من مجال غير ان هذه الجولة اليوم في اطار متغيرات جديدة على الساحة الاوروبية اهمها التوسع الذي حدث في الاتحاد الاوروبي من 15 دولة الى 25 دولة وتكاد تصل حدوده الى العرق اذا ما انضمت تركيا لتصبح عضوا بالاتحاد وهذا يعني ان اوروبا ستصبح جارا مباشرا للعالم العربي، فضلا عن ان اوروبا تعتبر في طور القوى العظمى. ومن ثم فان توطيد العلاقات معها في هذه المرحلة التاريخية يكتسب اهمية قصوى للعالم العربي.
ان هذا التحرك يمثل تحولا مهما في السياسة الخارجية السعودية، واتوقع ان يضع هذا التحول المملكة في موقع الصدارة بالنسبة الى مسؤولياتها في المنطقة، خصوصا ان هناك تغييرا في تأثير وحجم مسؤولية المملكة في المنطقة مقارنة بالسنوات الماضية حيث تاخذ المملكة مواقف مهمة من خلال المبادرات التي تطرحها ومشاركتها مع العالم ودول المنطقة تعكس قدرا كبيرا من الجرأة والرغبة الاكيدة في ان تتصدر الساحة العربية عبر معالجتها لعدد من القضايا الشائكة. وبالتالي فان هذه الزيارة تعبر عن الموقف السعودي الجديد وتؤكد انها اصبحت دولة تسهم في تشكيل الاحداث بنفسها وبتعاونها مع باقي دول المنطقة الفاعلة.
ذكاء ورؤية ثاقبة
-زهران:
المملكة بحكم انها دولة فاعلة في النظام العربي، ولها الدور والمكانة الكبرى في العالم الاسلامي، فان ذلك يفرض عليها اقامة علاقات متميزة مع كل دول العالم شرقا وغربا، ومن ناحية اخرى فان الدبلوماسية السعودية تتمتع بذكاء كبير ورؤية سياسية صائبة، ولذلك فهي تريد الانفتاح على دول العالم كله وذلك ما يعزز درجة مصداقيتها على المستوى العالمي خصوصا في العالم الاسلامي الذي تقوده لذلك جاءت تحركاتها شرقا واخيرا غربا الى اوروبا لكي تؤكد على انه بالقدر الذي تريد فيه تعميق العلاقات مع الشرق فانها ايضا لا تستطيع الاستغناء عن الغرب الاوروبي بحكم ما يمثله من ثقل سياسي ووزن دولي. وعلى ذلك فان الدبلوماسية السعودية بسعيها لتعزيز العلاقات مع اوروبا فانها تحقق توازنا سياسيا في علاقاتها الخارجية، وهي في هذا السياق تبعث برسالة مهمة الا وهي انه من الضروري ان تشترك كل القوى الفاعلة في العالم في حل قضايا المنطقة، وان تجند المملكة علاقاتها لخدمة قضايا المنطقة مع دول العالم.
ادراك بأهمية الدور الاوروبي
-عليوة :
هذه الجولة في اوروبا هي مهمة جدا وفي توقيت مهم للغاية تهدف الى توثيق علاقات المملكة شرقا وغربا ولذلك فان التوجه الى الدول الاوروبية الثلاث اسبانيا وفرنسا وبولندا يعكس رؤية سياسية حكيمة وواعية لاسيما ان هذه الدول لها وزن كبير في السياسة الاوروبية، وبخاصة في ظل ظروف صعود الاتحاد الاوروبي كقوة دولية على الساحة الدولية معبرة في ذلك عما يسمي بأوروبا الجديدة التي تكتمل فيها كل عناصر النفوذ من قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية. والتوجه اليها يمثل ادراكا من السياسة السعودية بأهمية الدور الاوروبي في القضايا الدولية من خلال تأثيرها في النوادي الكبرى التي تدير العالم واولها النادي الاستراتيجي السياسي والذي يتمثل في قوة الدول الثماني والنادي الاقتصادي المعبر عنه بمنتدى دافوس، والمنظمات الاقتصادية الثلاث المتمثلة في البنك والصندوق الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، فضلا عن النادي الاجتماعي بمعنى نفوذ الامم المتحدة من خلال اليونسكو ومنظمة العمل الدولية وبرنامج الامم المتحدة الانمائي. حيث يلعب الاوروبيون دورا مؤثرا في كل هذه المواقع ومن ثم في السياسية العالمية، وتوثيق المملكة علاقتها بها سيؤدي قطعا الى حضور دبلوماسي سعودي قوي في المشهد السياسي العالمي بفضل الموقف الحازم والواضح للسياسة السعودية في ما يختص قضايا العالمين العربي والاسلامي.
القضايا العربية
«عكاظ» : نريد القاء الضوء على العلاقات العربية الاوروبية ودور اوروبا في حل مشكلات المنطقة ؟
-سعيد:
هذه العلاقات قديمة وممتدة غير ان اوروبا قامت بمبادرة منذ عشر سنوات مع دول شمال وشرق المتوسط العربية فقط وهي ما تعرف بعملية برشلونة التي تقوم على ركائز سياسية واقتصادية وامنية، ومن ثم فانني اعتقد ان زيارة الملك عبدالله لاوروبا تعتبر بداية لمد هذه المبادرة الاوروبية حتى منطقة الخليج، واتوقع ايضا ان تكون هذه الزيارة بداية لعلاقات اوروبية اكثر شمولا للتعامل مع دول الخليج بحيث يكون هناك هيكل من العلاقات الاوروبية الخليجية مماثلا للعلاقات الاوروبية مع دول جنوب وشرق المتوسط العربية.
ومن ناحية اخرى فانه بعد حرب العراق وافغانستان لابد ان يتم التركيز على بحث كيفية الحفاظ على امن هذه المنطقة، وفتح آفاق العلاقات مع مختلف الدول الكبرى في العالم يدعم علاقات التعاون بين دول المنطقة والدول الكبرى ان من الناحية السياسية والدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية، وان من الناحية الاقتصادية والتعاون الاقتصادي، وبالتالي فان امن هذه المنطقة لا يتم بجهد وامكانات دولها فقط، ولكن بوجود تعاون امني في الاقليم مثلما حدث في حرب الخليج الاولى في العام 1991 وايضا بالتعاون مع اوروبا، وهذا الموضوع مطروح منذ الآن بقوة لبحث مستقبل امن الخليج وكيفية الحفاظ عليه خصوصا بعد انسحاب امريكا من العراق وافغانستان وهو ما يعني ان التعاون العسكري سيكون موجودا وستمثل اوروبا جزءا كبيرا منه. ولا يمكن ايضا تجاهل حقيقة ان اوروبا لها دور فاعل في حل مشاكل المنطقة وهو ما يتجلى في فرنسا التي تلعب دورا مؤثرا في ايجاد حلول للازمة اللبنانية وللصراع العربي الاسرائيلي، فضلا عن ان اوروبا تؤيد المبادرة العربية للسلام والتي تحاول المملكة تفعيلها تنفيذا لمقررات قمة الرياض العربية، وستكون محلا للنقاش في هذه الجولة.
-زهران:
اوروبا تبنت عددا من القضايا العربية الشائكة ولعبت دورا مهما في معالجتها، كما انها نهجت نهجا مستقلا ومخالفا للولايات المتحدة عندما فكرت في غزو العراق، وقادت فرنسا والمانيا حركة الرفض الاوروبي لهذا الغزو، وهذا يعني اهمية تشجيع ودفع اوروبا على تبني القضايا العربية بشكل مستقل عن توجه الادارة الامريكية، ولذلك فان الدول العربية مطالبة بتكثيف جهودها في التأثير على اوروبا لتصبح ذات توجه سياسي مستقل تجاه المنطقة العربية، وخدمة قضاياها وبصفة خاصة في قضية الصراع العربي الاسرائيلي، ولذلك فانني اعتقد ان التحرك السعودي يأتي في هذا السياق. ومن ناحية اخرى فان اهمية كل من اسبانيا وفرنسا في صناعة القرار الدولي معروفة وان استثمار هذه المكانة سيحقق نجاحات كبيرة للمملكة سياسيا واقتصاديا وعلميا وتنعكس ايجابيا ايضا على العالم العربي، اما في ما يتصل ببولندا فان تعميق الصلات بها يمثل اهمية كبيرة باعتبار انها تمثل البوابة الشرقية لأوروبا فهي مركز تجمع دول اوروبا الشرقية داخل الاتحاد الاوروبي ومن هنا فان هذه الزيارة تعكس مزيدا من العلاقات السياسية والاقتصادية القوية وتنسق في المواقف الدولية بما يخدم مصالح المنطقة.
-عليوة:
الدول الاوروبية تقوم بدور رئيسي في نصرة القضايا العربية، والتوجهات السياسية السعودية التي تشير اليها الزيارة تنم عن وعي تام بأهمية الملفات المفتوحة حاليا والتي تنزف دما في العراق ولبنان وفلسطين وهنا يبرز الدور الاوروبي في العبور بالوضع الدولي الى شاطئ الامان خصوصا في ضوء انشغال الولايات المتحدة في مستنقع العراق، والملف النووي الايراني. وهذا يعني ايضا ان السياسة الواعية للمملكة وهي سياسة المبادرات الخلاقة بالنسبة لدول المنطقة حيث يكشف ادراك القيادة السعودية مدى ارتباط الامن القومي السعودي بالامن الخليجي والعربي.
في تصوري ان توطيد العلاقات مع فرنسا يكتسب اهمية قصوى في هذه المرحلة خصوصا ان فرنسا تمثل شريكا دبلوماسيا وفاعلا في ملف الازمة اللبنانية بجانب علاقاتها مع سوريا كما ان فترة الرئيس الفرنسي الجديد ساركوزي الذي قد يعيد رسم السياسة الفرنسية في المرحلة القادمة تتطلب تبادل وجهات النظر بشان مختلف القضايا الخاصة بالمنطقة، اما الزيارة لاسبانيا فانها تعكس استثمارا للعلاقات التاريخية العربية والاسلامية معها والاستفادة من ثقلها السياسي والاقتصادي والعملي في العالم بينما تاتي الزيارة لبولندا تقديرا لتنامي دورها الاستراتجي في اوروبا، وبذلك تكتمل الدبلوماسية السعودية كرؤية شاملة للشرق والغرب بما يعكس الاحساس المبكر باهمية المرحلة المقبلة والحاسمة في العالم بالنظر للتغيرات الواردة في السياسة الامريكية بعد الانتخابات من جانب، وكذلك الاوضاع المتقلبة في كل من اسرائيل والعراق وايران وشرق افريقيا ايضا.
«عكاظ» : ماهو تصوركم للاهمية الاقتصادية لهذه الجولة الاوروبية محط الزيارة؟
- سعيد:
ان هذه الدول تمثل قيمة اقتصادية كبرى حيث ان فرنسا واسبانيا تعتمدان على نفط الخليج بشكل كبير، اما بولندا فهي من الدول التي انضمت حديثا للاتحاد الاوروبي ومن هنا فان هذه الزيارة تشمل دولتين اوروبيتين قديمتين وقويتين هما فرنسا واسبانيا، ثم دولة صاعدة سياسيا واقتصاديا ليتحقق من خلال ذلك تكامل في الرؤية لطبيعة العلاقات. فعلى على الصعيد الاقتصادي فانه على الرغم من ان الطاقة تمثل البعد الاهم، لكن هناك السوق السعودي والخليجي الذي يعتمد على استيراد السلع من اوروبا وبالتالي فان العلاقات التجارية بين هذه الاطراف ستكون اساسية، كما ان المملكة ودول الخليج تنظر لمرحلة ما بعد النفط بحيث تصبح مناطق صناعية مصدرة لسلع غير نفطية، وهذا ما يسعي لتحقيقه خادم الحرمين الشريفين ولذلك فانه من المتوقع ان تشمل اهداف الجولة التركيز على البعد العلمي والتقني في اطار جهود المملكة لتطوير وتحديث منظومتها العلمية والتعليمية.
-زهران :
من المعروف ان الدبلوماسية في تطوراتها الحديثة تركز على البعد التنموي في الداخل وهو ما اصبح يعرف بدبلوماسية التنمية، والدبلوماسية السعودية ادركت بشكل مبكر اهمية التحرك الدولي في دعم التنمية بالداخل سواء في تنويع السواق الدولية او في جلب الاستثمارات الاجنبية او في نقل التكنولوجيا والتدريب وغير ذلك من المجالات
-عليوة :
من المهم هنا التركيز على دور القطاع الخاص في عمليات التنمية، والجولات التي قام ويقوم بها خادم الحرمين الشريفين تستهدف فتح آفاق جديدة للتعاون بين القطاع الخاص ورجال الاعمال في المملكة ونظرائهم في الدول الاخرى، والحقيقة انني الاحظ نشاطا كبيرا في هذا الاتجاه.
المشاركون في الندوة
-اللواء د. محمد قدري سعيد الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
-الدكتور سيد عليوة استاذ العلوم السياسية ورئيس مركز القرار للدراسات
-الدكتور جمال زهران عضو مجلس الشعب المصري واستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة قناة السويس