رؤية سياسية
الدخول إلى أوروبا من بوابة أسبانيا
د. طلال صالح بنان
العرب لم يخرجوا من أسبانيا ( الأندلس )، عندما سقط آخر معاقلهم في غرناطة نهاية القرن الخامس عشر، بعد ثمانية قرون من الوجود في شبه الجزيرة الإيبيرية. لقد ترك العرب خلفهم تراثاً تاريخياً وإنسانياً، يُخَلِد لتاريخ العرب في القارة الأوربية، لم تتركه أية أقوام أو حضارات تعاقبت على ذلك الجزء من العالم، حتى بزوغ عصر النهضة في أوربا، في القرن السادس عشر، الذي ـ في حقيقته ـ امتداد لوجود العرب الثقافي والحضاري في أسبانيا.
مهما بلغت قسوة الطريقة التي أُخرج بها العرب من الأندلس وما صاحبها من اضطهاد ديني وعرقي ضد من بقي منهم هناك ليُدفعوا قسراً لتغيير دينهم أو اللجوء إلى الأحراش أو أخذهم قسراً في الرحلات الجغرافية الاستكشافية الإسبانية والبرتغالية، التي بدأت في نفس العام الذي سقطت فيه غرناطة، فإن التاريخ في النهاية لا يسرد إلا الحقائق.
اليوم، وبعد مرور أكثر من خمسة قرون من خروج العرب من آخر معاقلهم الحصينة في أسبانيا، نرى الأسبان يعتزون بتاريخ العرب في بلادهم، في الوقت الذي يبدو أن العرب قد فقدوا الصلة بتاريخهم المجيد والعريق في درة الحاضرة الأوربية، التي صنعها العرب بثقافتهم وحضارتهم وتعاليم دينهم الحنيف. اليوم نرى الأسبان، كما جاء في كلمة عمدة مدريد، يفتخرون بالأصل العربي لمدينتهم ويصرون على الاحتفاظ به... في الوقت الذي أبدى فيه الملك عبد الله تواضعاً، واحتراماً، لحقائق التاريخ عندما قال إن الموضع الذي بنى فيه العرب مدريد كان مأهولاً منذ حقب تاريخية سحيقة، ليثبت حقيقة تاريخية لا ينكرها الأسبان، بل ويفتخرون بها اليوم، من أن مدريد مدينة عربية أسسها العرب وكانت مناراً ثقافياً وإنسانياً وحضارياً، بفضل العرب، في الوقت الذي كانت مدن أوربية مثل لندن وباريس وروما، تغط في ظلام دامسٍ من الجهل والظلم.
أسبانيا اليوم قد لا ترى في تاريخها حقبة ناصعة تستحق أن تفخر بها، مثل حقبة التواجد العربي في الأندلس، الذي أمتد من القرن السابع حتى القرن الخامس عشر. لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا: إن الأسبان لا يفتخرون بإنجازاتهم الجغرافية الاستكشافية، التي تمخضت عن اكتشاف العالم الجديد في القارتين الأمريكيتين، قدر افتخارهم بالثقافة والحضارة العربية في بلادهم التي كانت البنية الأساسية لبزوغ عصر النهضة، في أوربا، بأسرها. بعيداً، عن الإنجاز الجغرافي لاكتشاف قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية، ليس هناك ما يفخر به الأسبان والبرتغاليون مما رافق تلك الحملات الاستكشافية من إساءة معاملة السكان الأصليين، خاصة في أمريكا الوسطى والجنوبية.. وتجاوزات قاسية ووحشية للكنيسة الكاثوليكية، لسكان تلك المناطق.
أسبانيا ليس لها أن تفخر بحقبة تلك الاستكشافات الجغرافية، لأنها ساهمت في تقويض حضارات قائمة، مثل حضارة الأنكا في البيرو وأمريكا الوسطى، جشعاً في نهب الذهب وتصديره إلى عروش ملوك أسبانيا والبرتغال، الذين أساءوا استخدامه، ولم يساهم في بناء قاعدة اقتصادية أو صناعية في شبه القارة الأيبيرية، لتسبقهم دول استعمارية أخرى، مثل الإنجليز والفرنسيين والهولنديين... حتى أن الشعوب الناطقة بالأسبانية والبرتغالية، في أمريكا الوسطى والجنوبية، تُعد اليوم أكثر تخلفاً، من كافة النواحي الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، من سكان أمريكا الشمالية، التي سبق الأسبان لاستعمارها الإنجليز والفرنسيون، لتصبح الولايات المتحدة، التي كانت مستعمرة بريطانية وفرنسية أقوى دولة في العالم اليوم، بعد أن تخلصت من آخر جيوب وجود الأسبان في أمريكا الشمالية، في منطقة غرب الولايات المتحدة، منتصف القرن 19.
هناك، إذن حلقة وصل تاريخية بين العالم العربي وأوروبا تتمثل في واسطة العقد بينهما ( أسبانيا ). اليوم: تتنامى دعوة للتسامح الديني والبناء على علاقات تاريخية راسخة.. والاعتراف بالامتنان بدور العرب التاريخي والحضاري، من قبل واحدة من أهم أعضاء الاتحاد الأوربي التي يقارب ناتجها القومي أو يتفوق على ذلك الذي تتمتع به إيطاليا العضو المؤسس بالاتحاد الأوربي ولمجموعة الدول الصناعية الغنية الثماني.
هل هي مصادفة، يا ترى، أن تبدأ جولة الملك عبد الله الحالية لأوربا بأسبانيا.. وهل هي مصادفة أن يحرص ملوك المملكة، كما لاحظ عمدة أسبانيا أن يتواصلوا مع أسبانيا، لأكثر من نصف قرن. إنها حقائق التاريخ، كما هو منطق الجغرافيا، اللذين يجعلان من أسبانيا بوابة العرب للدخول إلى أوربا. حقيقة أكتشفها العرب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً على يدي موسى بن نصير وطارق بن زياد عندما فتحا أسبانيا.... ليواصل المسيرة آل سعود، ولكن بفكر ديني متسامح.. وتأكيد علاقات التكامل المصلحي بين أوربا والعرب.. والبناء على تواجد حضاري عربي سكن ضمير الأسبان ووجدانهم، وبقي إلى اليوم، بالرغم من خروج العرب من أسبانيا، قبل خمسة قرون.