الخبر مقدس.. والرأي حر
صب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير جام غضبه على الصحافة البريطانية، معتبراً أن جزءاً كبيراً من إعلام اليوم، بات يخلط بين الخبر والرأي، وأن ذلك لم يعد الاستثناء إنما القاعدة مشيراً إلى أن صحيفة «الإندبندنت» البريطانية تأسست لتكون مضادة لفكرة الصحافة كرأي!
ويبدو أن بلير غاضب من التغطية الإعلامية للأحداث الجارية في الشرق الأوسط، وتحديداً في العراق، ودور الصحافة البريطانية في توجيه الرأي العام. نعم، من أساسيات العمل الإعلامي المهني أن تكون المادة الخبرية موضوعية ومحايدة، وبعيدة عن ذاتية المحرر وتوجهاته، بعكس مواد الرأي؛ التي تتيح لكاتبها حرية إضفاء مواقفه الإيديولوجية وانطباعاته الشخصية على الحدث، وهنا الفرق بين (التغطيات) المحايدة و(المعالجات) الحرة أو الموجهة، التي قد تكون على شكل مقالات أو استطلاعات

للجمهور المعاصر فلتر
ذهني يفحص ويُقيم
ما يراه أو يسمعه أو يقرأه

أو جولات، تأسيساً على قاعدة الخبر مقدس.. والرأي حر. والسيد بلير يطالب بصحافة خبر، لا صحافة رأي، وهذه رؤية غير منطقية في أدبيات وصناعة الإعلام المعاصر بهدف تفريغ مفهوم الصحافة من هدفها الرئيس في التنوير والتوجيه، فالصحيفة تحلق بجناحين: الصفحات الخبرية للأحداث وصفحات الرأي والمعالجات، بل إن بعض الصحف بسبب تميزها في مواد الرأي، باتت تصنف بأنها صحافة رأي أكثر منها صحافة خبر، بمعنى أنها أكثر (تأثيراً) في صياغة التوجهات الفكرية، وصناعة الرأي العام. وعندما يتهم توني بلير القراء والمشاهدين بأنهم ليس لديهم (ميزان) قادر على حساب مدى الموضوعية من عدمها، فذلك تعميم غير دقيق، فالجمهور المعاصر لديه (فلتر) ذهني لفحص وتقييم ما يراه أو يسمعه، أو يقرأه لاسيما أنه تمرس مع أساليب العمل الإعلامي الموجه، كما أن الأخلاقيات المهنية تتطلب تطبيق القيم الإعلامية الرئيسة والموضوعية، بمصداقية ودقة للمحافظة على جمهور الوسيلة الإعلامية.
هجوم رئيس الوزراء البريطاني على الصحافة البريطانية، قبيل مغادرته منصبه، يذكرني بهجوم وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد على الإعلام الفضائي، الذي اعتبره حينها غير محايد، والمشترك في غضبهما هو تغطيتهما لأحداث الشرق الأوسط، التي تتعارض والخط السياسي لهما، وهو ما يفرغ خطابهما من مضمونه، ولو أن بلير أو رامسفيلد انتهجا استراتيجية سياسية وإعلامية ناجعة، وفق خطاب إعلامي مقنع، قابل للتسويق السياسي والإعلامي، وبالتالي التأثير في النخب الجماهيرية، لما اضطرا إلى صب جام غضبهما على وسائل الإعلام التي يعتقدان أنها ساهمت في حشد رأي عام (محلي ودولي) ضد سياستهما في منطقة الشرق الأوسط.
alfirm@gmail.com