يقول مدير فرع الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تبوك (الحياة 16134) أن الشخص المتوفى في الهيئة أركب امرأة ليست من محارمه في المقعد الأمامي لسيارته وهذا أمر محرّم شرعاً وممنوع نظاماً.. وإذا علمنا كمسلمين أن الحرام هو ما حرّمه الله بنص شرعي والنص كما عرّفه ابن الهمام في (التحرير) (1/137) هو ما دلّ على معنى من غير احتمال. وقال صفي الدين الحنبلي فإن دلّ أي اللفظ على معنى واحد من غير احتمال لغيره فهو النص بمعنى أنه إذا ذُكر لفظ الخمر فلا ينصرف الذهن إلى غيرها ومن هذا الباب لم يكن للحكم الشرعي من الأدلة المتفق عليها إلاّ النص أو القياس عليه فالنص يفيد التخصيص والتعيين وهو مناط الحكم الشرعي لما يترتّب على الامتثال من الثواب والمخالفة من العقاب فلزم تبيين الحجة لله على الناس ولا تكون الحجة لازمة إلاّ بالتعيين والبيان الذي لا يدخله احتمال. وفي هذا المعنى جاءت القواعد الأصولية أن شرط التكليف فهم الخطاب كما ذكرها ابن اللحام والأصل فيها قوله تعالى: وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم.
وقد اشتهر عن أحمد قوله لا يعجبني في ما ثبت لدي حرمته تأدّباً مع المشرّع المحلّل والمحرّم الحق سبحانه. ويقول أبو حنيفة لو أُعطيت الدنيا بحذافيرها لا أفتي بحرمتها. وقصة مالك مع أولئك النفر من الناس الذين جاؤوا إليه من أقاصي دول المغرب يطلبون منه الإجابة على أربعين مسألة فأجابهم عن ثلاث أو أربع وقال لهم عن الباقي لا أدري. هذا كان دأبهم لم يُنقل عن أحد منهم التسارع إلى التحريم لأدنى

انتفاء دليل التحريم دليل
على عدم التحريم فلا يُحرّم
إلا ما حرّمه الله

سانحة ولا كيل الحرام إلى الناس جزافاً لأقصى شاردة من أوهن دليل. وما كان لهذا الكيل من عبارات التحريم لديهم علامة من علامات الزهد والورع والتقوى والقربى إلى الله نُقل عن ابن عابدين في حاشيته قوله في إن الحرمة أو الكراهة إنما هما حكمان شرعيان ولا بد لهما من دليل فهو داخل تحت قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة وليس الاحتياط في الافتراء على الله تعالى بإثبات الحرمة أو الكراهة اللذين لابد لهما من دليل بل القول بالإباحة التي هي الأصل. وقد توقّف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع أنه المشرّع في تحريم الخمر حتى نزل عليه النص القطعي بتحريمها. فكيف يحرّم ركوب المرأة في المقعد الأمامي في السيارة دون دليل وهي تسافر بالطائرة. فانتفاء دليل التحريم دليل على عدم التحريم فثبت بالاستصحاب العقلي وانتفاء الدليل الشرعي عدم التحريم. فلا يشرّع إلاّ ما شرّعه الله ولا يحرّم إلاّ ما حرّمه الله. يقول الشافعي إن ما يثبت بيقين لا يرتفع إلاّ بيقين. وقد ذم الله المشركين لتحريمهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وقولهم وأنعام حرمت ظهورها. وقولهم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا، فقد نهى الله عباده وحرّم عليهم أن يتقوّلوا عليه سبحانه بالتحليل والتحريم من عند أنفسهم فجعله له وحده وانتزعه من أيدي الناس أجمعين فلا يستطيع أحد أن يحرّم أو يحلّل من تلقاء نفسه ومن فعل ذلك فقد اعتدى على حق من حقوق الله. يقول تعالى: «أم لهم شركاء شرّعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله». وهؤلاء أهل الكتاب من اليهود والنصارى وضعوا سلطة التحليل والتحريم في أيدي أحبارهم ورهبانهم، «ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب..» وقد أوضح الإسلام أن مهمة الأنبياء والعلماء لا تتعدّى بيان حكم الله في ما أحل وحرّم وقد اختص الله المحرّمين لحلاله بعقوبة أشد وأقسى نظراً لأنهم ضيّقوا على البشر ما وسّع الله عليهم فالتحريم للذرائع وللأهواء تحريم بالظن ومزايدة على الحق وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً. فكل قول أو اجتهاد ليس عليه دليل فهو مردود على صاحبه. بل إن القائلين بالتحريم عليهم بالدليل فالإسلام لم يدع المجال لصاحب هوى أو مبتدع ليقول في الدين بغير علم أو يدخل فيه ما ليس منه. فعادات الناس هي من الأمور التنظيمية التي قال عنها صلى الله عليه وسلم: « إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لم أكذب على الله فأنتُم أعلم بأمور دنياكم». يقول ابن تيمية: إن تصرّفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم. والعبادات لا يثبت الأمر بها إلاّ بالشرع، أما العادات فالأصل فيها عدم الحظر فلا يُحظر إلاّ ما حظره الله. لذا فإن الإمام أحمد وأهل الحديث يقولون إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يُشرّع إلاّ ما شرّعه الله. والعادات الأصل فيها العفو لقد حدد الأمر الملكي رقم 90 واجبات الهيئة ولم يكن فيها التحريم والتحليل. ورد عن رسول الله أن أعظم المسلمين جُرماً من سُئل عن شيء لم يُحرّم فحرّمه من أجل مسألته.
فاكس: 6975040 - nyamanie@hotmail.com