تنبع الاستعدادات للحرب في إسرائيل وفي سوريا من توقع سيجسد نفسه في النهاية على الرغم من أنه ليس ثمة مصلحة حقيقية لأي من الطرفين في حرب آخذة في الاقتراب. فما لم تغير إسرائيل سياستها فوراً، سيسفك دم كثير عبثاً، وإذا ما تحقق لا سمح الله السيناريو الأسوأ، فإن لجنة التحقيق التي ستتشكل بعد الحرب القادمة ستشير بسهولة إلى الأخطاء التي وقعت في السلوك الإسرائيلي اليوم. وهي أخطر حتى من الإخفاقات في إدارة حرب الصيف في العام الماضي.
سوريا ليست صورة أخرى للعدو المعروف حزب الله، بالمعنى السلبي والإيجابي، بالمعنى الإيجابي، ثمة على الجانب الآخر من الحدود نظام مستقر نسبياً يمكن عقد صفقة معه. في حال حصول حرب لهذا النظام هناك الكثير مما يخسره، أولاً وقبل كل شيء مجرد وجوده، فإسرائيل ستهاجم أهداف بنى تحتية في سوريا ومن المعقول الافتراض بأن نظام بشار الأسد، لن يصمد، ويمكن لهذا الوضع أن يؤدي إلى تطور سيئ، ذلك أنه بدل حكم الأسد قد ينشأ في سوريا نظام إسلامي متطرف، يوثق فقط الحلف مع إيران، والقائم منذ الآن، وعلى أي حال، فإن الخطر الأكبر في حالة حرب مع سوريا ينبع من ترسانة السلاح الهائلة التي

التنسيق بين أمريكا وإسرائيل أضحى في السنوات الأخيرة «قاعدة مقدسة» لا يُشكّ فيها

لدى السوريين، والتي هي أكبر بأضعاف من ترسانة حزب الله. السوريون يمكنهم أن يطلقوا آلاف الصواريخ لكل أنحاء البلاد، وليس فقط إلى منطقة الشمال، الحرب معهم ستكون قصة أخرى تماماً مغايرة لحرب لبنان الثانية.
الآلية التي توشك أن تؤدي إلى الحرب مع سوريا بدأت منذ زمن قصير بعد انتهاء حرب لبنان الثانية، فالرئيس السوري بشار الأسد دعا في حينه إلى عقد محادثات سلام مع إسرائيل، وبالتوازي هدد بحرب إذا لم تُعد إسرائيل له هضبة الجولان بالوسائل السلمية، وحللت أجهزة الاستخبارات في إسرائيل أقوال الأسد في ثلاثة مناهج مختلفة. في القطب الأول يقف رئيس دائرة البحوث في شعبة الاستخبارات، العميد يوسي بايدتس الذي يعتقد بأن نوايا الأسد للسلام صادقة تماماً. وبالمقابل، في الطرف الآخر، رئيس الموساد منير دغان، مقتنع تماماً بأن الأسد لم يهيئ شيئا سوى الحيلة ومحظور على إسرائيل الانجرار إلى محادثات معدة مسبقاً فقط لتخفيف الضغط الدولي القائم عليه. وفي الوسط، بين القطبين، يوجد رئيس شعبة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي اللواء عاموس يدلين، الذي يوصي منذ أشهر طويلة بإدارة محادثات سلمية مع السوريين وإن كان بسبب الاحتمالية، غير العالية برأيه، بأن السوريين صادقون.
القصور الأكبر ينبع من أنه دون صلة بالمناهج الثلاثة، فإن من يقرر في مسألة هل ينبغي الشروع في محادثات سلام مع سوريا أم لا، هي الولايات المتحدة، وليس إسرائيل. فالتنسيق مع الولايات المتحدة الذي كان، وعن حق، أساساً مهماً في السياسة الإسرائيلية على مدى عشرات السنين، أصبح في السنوات الأخيرة قاعدة مقدسة لا يشك فيها بل ولا يتم حتى التفكير فيها، لدرجة أن إسرائيل أصبحت تابعة بائسة للسياسة الأمريكية. الولايات المتحدة، لأسباب تتعلق بها أساساً بالحساب مع السوريين على تأييدهم لأعدائها في العراق، لم تعطِ بعد لإسرائيل الضوء الأخضر لإدارة مفاوضات مع سوريا، ولهذا، حالياً، ينشغل الطرفان بالاستعدادات للحرب، مثلما يفهم من التصريحات التي قالها رئيس شعبة الاستخبارات يدلين ورئيس الأركان غابي اشكنازي.
الموعد لإنهاء الاستعدادات من ناحية الطرفين هو الصيف القريب القادم. هذا لا يعني أن الحرب ستنشب في حينه، بل إن من المعقول الافتراض بأنها ليست على هذا القدر من الاقتراب. ولكن إذا استمرت ديناميكية التصعيد، فإن الحرب ستقع آجلاً أم عاجلاً. السبيل الوحيد لمنع عملية معروفة النهاية مسبقاً، هو الاستجابة لدعوة السوريين والحديث معهم. وإذا ما اندلعت بالفعل حرب مع سوريا، دون المحاولة المسبقة لخوض طريق السلام، فإن إهمال القيادة الإسرائيلية لن يُغتفر.
* كاتب في صحيفة «معاريف»- عن الإنترنت