مقالة جميلة تلك التي كتبها الدكتور غازي جمجوم تحت عنوان «نافذة أخرى مغلقة على البحر» في عكاظ يوم الأربعاء 06 يونيو 2007م.
أخي الدكتور غازي يحتج على بناء سور اسمنتي بطول حوالى خمسة وثلاثين متراً (فقط) على شاطئ أبحر، يمنع رؤية البحر تماماً. وكان هذا الموقع مكاناً مفضلاً لعوائل المتنزهين يقضون أمامه عطلات نهاية الأسبوع، ثم أحيط ذلك الموقع بسور منيع حجب البحر ونسماته عن المتنزهين والزائرين. ويقول الدكتور غازي بحرقة «عدت مكتئباً إلى المنزل، أخرجت قصيدة قديمة تقول: «في جدة كان البحر سجيناً.. لا يعرفه سوى السجان، وعروساً كانت قابعة خلف الجدران». ثم يسترسل: «لم تعجبني «كان»، مزقت القصيدة ورميتها. البحر في جدة «لا زال» وعلى مايبدو مؤكداً «سيظل» سجيناً خلف هذه الأسوار. في جدة لم نعد نملك إلا نوافذ معدودة على البحر نراها تغلق واحدة تلو الأخرى».
ياأخي غازي، أتكتئب من أجل خمسة وثلاثين متراً على شاطئ البحر وقد أحيطت بسور يحجب رؤية البحر عن المواطنين؟
ماهو إذا مقدار اكتئابنا عندما نشاهد كيف أحيط البحر، بسور اسمنتي لا يحجب فقط البحر والنسمة وإنما يحجب أيضاً الحياة والبسمة؟
هذه هي المدينة الوحيدة في

جدة المدينة الساحلية الوحيدة في العالم التي تزوغ أبصار سكانها بحثاً عن زرقة البحر

العالم التي تحجب شواطئها وواجهتها البحرية بينما تزوغ فيه أبصار بقية المواطنين بحثاً عن فجوة في هذه الأسوار يلمحون من خلالها زرقة البحر، مجرد لمحة سريعة فقط، وكأنهم يسترقـون النظر إلى شيء لايخصّهم.
حتى عام 1947م كان هناك سور يحيط بجدة ليحميها من الأعداء، إلى أن أمر مؤسس الدولة الملك عبدالعزيز يرحمه الله بإزالة السور في ذلك العام. ومنذ قرابة الثلاثين عاماً بدأ السور يظهر مرة أخرى شيئا فشيئاً، ولكن تحولت وظيفته من حماية جدة إلى حماية البحر لصالح حجبه عن النظرات المتطفلة لبقية المواطنين.
وفي فترة سابقة، قامت أمانة جدة ببناء بحيرات جميلة على طول بعض مناطق جدة الساحلية، أي أنها أدخلت البحر إلى مسطح المدينة كعنصر جمالي ترويحي ولتلطيف الجو وتحسين المنظر العام. وكانت تلك فكرة جيدة وممتعة استخدمت في كثير من البلاد الساحلية الأخرى، وكان يجب التوسع فيها على بعض أجزاء ساحل جدة، ربما تساعد في تعويض المواطنين عن واجهتهم البحرية التي أغتصبت في غفلة من الزمن.
والآن ننظر بحسرة إلى أعمال ردم لبعض هذه البحيرات الجميلة. وقد نقوم بعد ذلك بتأجير مواقعها المردومه على بعض المستثمرين لكي يقيموا عليها مشاريع سياحية تجارية ومقاهي وماشابه!!
ألم يكن من الأفضل المحافظة على تلك البحيرات وعدم ردمها، بل فقط توسعة نقاط اتصالها المباشر مع البحر للحفاظ على حركة المياه الطبيعية وعلى نظافة ونقاء مياه البحيرات، مع بناء طرق وكبارٍ معلقة أو حديدية جميلة فوقها لضمان انسيابية المرور دون المساس بهذه المسطحات المائية الجميلة؟
وطالما أننا نتحدث عن عمليات ردم، فقبل بضعة عقود تم شق «مجرى السيل» في جدة بتكلفة مادية كبيرة وعلى حساب أراض شاسعة تم نزعها من مالكيها. والآن تقرر ردم هذا المجرى بتكلفة قد تصل إلى أكثر من ثلاثمائة مليون ريال!! ألم يكن من الممكن دراسة تحويل هذا المجرى الكبير إلى نفق خدمات تمتد فيه خطوط الكهرباء والإتصالات والمياه والتصريف، لخدمة تلك المناطق السكنية والتجارية التي يخترقها هذا المجرى؟
ألا يمكن، مع بعض التعديلات، تحويل هذا المجرى إلى نفق تجري فيه خطوط الخدمات مما يسهل أعمال الصيانة مستقبلاً، ثم تشجير سطحه وتحويله إلى حدائق للتنزه وملاعب أطفال ومقاهٍ ومطاعم صغيرة، إلى آخره؟
ولكن يا عزيزي الدكتور غازي، هكذا تسير الأمور. هناك أناس يتحول التراب في أيديهم إلى تبر، وهناك من يتحول الذهب في أيديهم إلى تراب. ثم يقولون «لايعجبهم العجب»!! عجبي.