تذكرتُ قول أحد حكماء الصين: «زوجة صالحة في قريتي، أفضل من ستة عشر أخاً ذوي نفوذ في البلاد» عندما كنتُ أقرأ رحلة «حمد بن سعيدان» (رجل العقار المعروف بمدينة الرياض) وهو يروي موقفاً عن زوجته «أم هشام» (الملحق الأسبوعي لصحيفة «الاقتصادية»، ع4981، 15 جمادى الأولى 1428هـ، ص ص 5-4) لم ينسه رغم مضي عشرات السنين عليه، ويكاد يكون نادراً اليوم، في عالم سيطرت فيه المادة حتى على السكن، والمودة، والرحمة، لكنه مألوف عندما اقترنت به «أم هشام». فلقد أصرّت على بيع ما بحوزتها من ذهب، ربما كان بضعة أسورة تُزيّن بها يديها، من أجل أن يمتلك «أبو هشام» أول بيت له في حياته، ألا تكبر في عيونكم هذه المرأة كما كبُرت في عينيّ؟ أليس لها نظيرات قرن في بيوتهن، لم يحن الوقت بعد للكشف عن مواقف مماثلة لهنّ؟ أرأيتم كيف وفّق الله «أم هشام» لمؤازرة زوجها، فجعلت منه -بعد توفيق الله له- أحد عمالقة

لم يأسرها تنوع المظاهر
أو الارتهان للمادة
أو المساومة عليها

العقار، فأبى إلا أن يتذكر موقفها، ويشكر لها صنيعها؟ ولكم أن تتساءلوا كما تساءلتُ: ما الذي دفع «أم هشام» لهذا الموقف؟ الإجابة ليست بعيدة، إنها المودة والرحمة، اللتان أسكنهما الله قلبها، وقلوب زوجات صالحات، طاهرات، عفيفات، تكريساً لقول الحق تبارك وتعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة» (سورة الروم، الآية 21) بينما نزعها من قلوب أخريات.
من الواضح أن «أم هشام» نتاج تربية أسرية سوية، نشأتها على أخلاق محمودة (الوفاء، الاحترام، التقدير) فهي -كما أرى- «بنت رِجال» لم يأسرها تنوع المظاهر، أو الارتهان للمادة، أو المساومة عليها، ومن ثم فعلاقتها بزوجها اعتمدت على ما اصطلح عليه علماء الاجتماع بنموذج الطبع الاجتماعي «أي ما يُحرك الفرد في إطار نظام من الدوافع، والرغبات المرتبطة بعوامل تاريخية واجتماعية ثابتة نسبياً». وسلوكها إزاء زوجها يُعدّ التزاماً قيمياً أخلاقياً، لم تُمله قواعد «لعبة السّتات» بل نبع من إحساس داخلي عميق خاص بالواجب والالتزام، وهي زوجة توجهت نحو تحقيق أهدافها العامة، من واقع العادات والقيم الاجتماعية التي حركتها، بقليل من الجهد، وبكثير من الطاقة، اللذين وظفتهما «أم هشام» لتحقيق منافع عامة لا خاصة شملتها هي وزوجها وأسرتها، بعدد محدود من الاختيارات، وبحركة فردية متزايدة، ومع أنها قد لا تحمل شهادات علمية ساعة أن ارتبطت بزوجها، ومع أنه ليس كل متعلم ومتعلمة يُدركان قيم الحياة الزوجية، إلا أن «أم هشام» عرفت وأدركت قيمة ثلاثة أشياء مهمة في حياتها الزوجية: السكن، والمودة، والرحمة، وتعاملت بها، واختارتها طريقاً أوصلها وزوجها إلى بر الأمان.
تحية لـ«أم هشام» ولكل من نهجت منهجها، ممن قاربن حياتهن الزوجية بقيمهن الاجتماعية، فلم يضمحل حسهن، وركزن على إدارة الأزمات في حياتهن بالعقل، ومن هنا أقترحُ على أخي «حمد بن سعيدان» أن يطلق على إحدى قاعات منزله، الذي يستقبل فيه أصدقاءه عقب صلاة الجمعة اسم «قاعة أم هشام» ليذكّرهم بامرأة عاقلة، وفيّة، طمعت في جنّة ربها لا في جيب زوجها.
فاكس: 014543856 - badrkerrayem@hotmail.com