لا ادري اذا كانت هذه التقنية الرقمية موجودة في العالم العربي ولكنها مثيرة للتأمل فعلاً، فقد طورت شركة بروكس براذرز، نظاماً للخياطة الالكترونية، يستخدم مجموعة من الكاميرات وماسح ضوئي، لتسجيل 200 معلومة في جسد المتسوق، تتم الاستفادة منها بعد ذلك في تصميم موديل ثلاثي الابعاد، وبديل افتراضي يستعين به لتجريب الملابس على الانترنت، في اوقات فراغه، والمقاسات تؤخذ في المحل اولاً، وتدرج في حساب تسوق خاص، يمكن للشخص من خلاله ان يختبر شكل الملابس عليه، وقد يستعرض على ممر « الكات ووك» الافتراضي مثلما تفعل عارضات الازياء، من اي مكان في العالم، و من ثم شراؤها اذا ناسبتـــه، ولا حاجــة للحضــور في كل مرة، ونشرت «ماي فيرتشول موديل» انها عالجت ثلاثة ملايين موديل افتراضي، في الفترة الاولـــى للبـــرنامج، وهنـــاك ســـوفت وير آخر يلغي مسألة الحضور تماماً نفذته « ماي فيرتشول موديل» او « ام. في. ام» ويخـــرج فيه الموديل الافتـــراضي، بعد اجابة المتسوقة على 13 سؤالاً والمتسوق على 15 سؤالاً، والسؤالان الاضافيان للرجل عن شعر الوجه ولونه.
الفكرة في تقنية الموديلات الافتراضية، هو رسم صورة مطابقة للزبون وقياساته، استناداً الى معلومات يقدمها بنفسه، او بحضوره لمرة واحدة، ورغم ان نموذج بروكس براذرز معقول الى حد ما، الا انه وكما هو الحال في فيرتشول موديل، ومن واقع تجربة، يعطي صورة محسنة للشخص، ولا يهتم بالفروق الفردية كالنظارات الطبية، التاتو او الوشـم، بجانب انه يعرض لموديلات، تتراوح اعمارها بين منتصف العشرينات وبداية الثلاثينات، ويقدم نصائح تسويقية، واحتمال اختلاف المقاسات او شكل

ليت الافتراض هو
القاعدة ويمتد
إلى حياة الناس

الملابس بين الافتراض والحقيقة وارد جداً، ولا يتحمل المحل التجاري هذه النتيجة وانما المتسوق، والسبب تذكيره في الترحيب المكتوب ان الموديل انتج وفق معلومـــات قدمهـــا، او حالته الجســـدية عند المســح الضــوئي الكامل، وهذا المخرج القانوني ذكي ومفيـد تجارياً، خصــــوصاً أن دونـــالد نورمان(2000) اشـــار الى ان 85 في المئــــة من متصفحي الانترنت، يمارسون التسوق الالكتروني، و ان النساء يتفوقن على الرجال في مواسم الاجازات، والسبب انه يحرض المتسوق على الشراء، وينقل وجهة نظر المحل في اشكال الاجساد، اضافة الى تكريسه لصور غير صحيحة عن هويات المستهلكين الالكترونية، وتمرر رســـالــة مثالية وتجــارية للجسد، تقترح عدم الرضا عن الجسد الحقيقي، و تحرك الرغبات في الاقتراب من النموذج الجميل، وقالت نانسي بايم (2000) بان مستخدمي الانترنت يحاولون دائماً التوفيق بين ذواتهم الواقعية وشخصياتهم الالكترونية.
كذلك، نجاح تقنية الموديلات الافتراضية، يؤكد عليه استعارة شركة «نوتري سيستم» لاسلوب «ام.في.ام» في نشاطها لانقاص الوزن، ويكون بادخال معلومات عن الوزن الحالي، والوزن المرغوب، ليظهر الموديل بطريقة «قبل وبعد» المعروفة، وقد فقد الزيادة في الاماكن المناسبة وبالقدر المطلوب، مع ملاحظة ان وصول الاشخاص الى الوزن المثالي، لا يعني مطابقة اجسامهم للموديلات الافتراضية، النحيلة والمتماسكة، و ليس شرطاً ان يكون الجسد جميلاً حتى يكون صحياً، او هكذا قرأت، وأرى ان الاستفادة من الموديلات الافتراضية محلياً، ربما حقق شعبية وأرباحاً عالية في مواقع الزواج، لو تم تقييد الحصول عليه بشروط مالية...!
الموديلات الرقمية، لها علاقة نسب، بنماذج اخرى مثل: باربي، سلسة العاب جي آي جو، مانيكان او « تماثيل» عرض الازياء في واجهات المحلات، وصور العارضين والعارضات المحترفين، في مجلات الازياء والاعلانات، وجميعها تعرض للمستهلك اليومي، صوراً متفوقة عن الجمال، وتشتغل على فكرة الاجساد الجذابة والمرغـــوبة، ولو خرجت عن الاشكـــال التقليدية المعتادة، ما لم تشبه، في بعض الاحيان، رسوم الكاريكاتير لا الصــــورة الفــــوتوغرافية، لانها تقـوم على مقاربات غامضة بين الجسد والقماش، لدرجة قد يتحول معها المتسوق الى مـــوديل لا يختلف كثيراً عن انســـان «السيبورغ»، كما نشاهده في افلام الخيال العلمي، وتناولها زرع اجـــزاء الكترونيـــة متطــورة في الجسد الانســـاني، تحرف شكلـــه ووظائفـه مالم تشوهه تماماً، والنقطة الأخيرة توضح المسافة بين الحقيقي والتقني، وذكر دونـــالد لاو، في كتـــابه: الجسد في الرأسمـالية المتــــأخرة(1995) ان ثقافة الاستهلاك، اعـــادت رسم الهــــوية، في مجموعة من الخيارات الشكلية، وانهـــا اثرت في الصورة العامة للمجتمعات، وتقييمها للسلوكيات المقبولة والمقنعــة. وفي الثقافة الغـــربية، يعتبر الجسد حامل للهوية، وينظر الى المظهر الانيق كوسيلة تجارية، تسثمر فيها الانطباعات الجيـــدة لرفع معدلات الاستهلاك، وترى ربيكا شنايدر في كتابها: سلوك الجسد غير المتحفظ (1997) ان ما يجعل المستهلك، يقبل على ما تعرض له الاجساد المثالية، مع صعوبة الوصول الى قوامها اللافت، هو الرغبة في الحصول على شيء ممكن في هذه الفانتازيا، اما بشراء الملابس او الدخول في برنامج لانقاص الوزن.
كتب كينيث بيرك في مؤلفه: بلاغة الدوافع (1969) انك تستطبع اقناع اي شخص، اذا استخدمت منطقه وصورته ومواقفه، وحاولت من خلالها تعريف نفسك. واخر ما اتمناه ان يكون الافتراض هو القاعدة والحقيقة فعل طارئ، وان يمتد موضوع الموديل الافتراضي الى الحياة الاجتماعية والسياسية للناس...!
binsaudb@ yahoo.com