بالإضافة إلى طعمها الرائع، تتمتع الحلاوة العسلية ببعض الخصائص الهندسية الطريفة... هي في الواقع عامود صغير يقاوم أعباء الضغط بقوة، ولكنه ضعيف نسبيا في مقاومته لقوى الشد... ومن لا يحترم هذه الخصائص في تلك الحلوى فسيرى عواقب شديدة على مر الزمن... في أسنانه طبعا... وكلامي هذا يفترض أن العسلية خالية تماما من التسليح... أي من إضافة أية مواد ليفية لتعزيز قدراتها لمكافحة الشد... ولو توفر هذا التسليح بأي شكل فسيحقق مكاسب خيالية في مقاومة قوى الشد ومكاسب سريعة جدا لأطباء الأسنان... وقصتنا مع العواميد غريبة. فبالرغم من أنها تخدم البشرية بشتى الطرق الذكية جدا، فنحن لا نعطيها حقها من التفكير... بل ونسيء إليها. فانظر كيف يتعامل معظم المصممين في مجال العمران مع العواميد في المباني ليذكرونا أنها مفروضة عليهم... تجدها دائرية وغليظة... أو مستطيلة وغليظة... أو مربعة وغليظة... المهم أنها في الغالب ستكون غليظة بشكل أو بآخر... بينما لاحظ أن العديد من الأعمدة التاريخية جميلة جدا... متعوب عليها فعلا في التصميم والتنفيذ... انظر مثلا أعمدة الفراعنة أو المباني اليونانية التاريخية أو الرومانية وستجد أن جمال العديد منها مستمد من جمال عواميدها... ولكن هناك ما هو أهم من

هل نتذكر أعمدة القدس شاهدة على الظلم الإنساني والسياسي والعمراني؟

هذا وهو عامودنا الفقري... للأسف أن نسبة كبيرة جدا من آلام الظهر سببها إهمالنا لهذا العامود المهم جدا... نسمح لأوزاننا أن تزيد (فضلا انظر العسلية أعلاه)... ونهمل الرياضة وبالذات الحفاظ على عضلات البطن... وفوق كل هذا فبعضنا يدخن مما يؤثر على مرونة وليونة الغضاريف التي تحمي أكبر وأهم عامود في أجسامنا... وللعلم فإن عامودنا الفقري يحتوي على 33 عظمة مختلفة، وبعض المهام مثل كي الثياب تضع كمية أعباء هندسية رهيبة على تلك العظام... علما بأن هذه من المهن التي يعاني أصحابها من إصابات في عواميدهم الفقرية، وندعو الله أن يحمي جميع الفئات المغلوبة على أمرها... ولكن أشهر العواميد لن تجدها بداخل أجسام «المكوجية»، ولكن ستجدها في القدس فهذه المدينة المقدسة المسورة الصغيرة والتي تبلغ مساحتها أقل من كيلومتر مربع... ما يعادل مساحة جدة التاريخية... أي ما يكفي لوقوف حوالى مائتي طائرة بوينج 747 على أرضها... ويمكن دخولها من عدة بوابات وأهمها على الإطلاق هي البوابة الشمالية الشهيرة باسم باب العامود... والغالب أن هذا الاسم جاء نظرا لوجودها على المحور الطولي (العامودي) الذي يعتبر أحد المعالم المعمارية الأساسية للقدس... فكان هذا من آثار التخطيط العسكري الروماني للمدينة الذي كان يتميز بوجود محورين أساسيين أحدهما شمالي جنوبي ويسمى «الكاردو ماكسيمس» والآخر شرقي غربي ويسمى «الديكامونوس»... وهذه أسماء لاتينية مهمة وخصوصا لمن يريد أن يستعرض عضلاته الثقافية في أي مناسبة... علما بأن الكلمات اللاتينية الطويلة تعكس أن الشخص «واصل» ثقافيا... ولك أن تتخيل التالي «يا جماعة مين فيكم يعرف الكاردو ماكسيمس غيرى»... خليك ماشي «سيدا» ثم لف يمين عند «الديكامونوس»... وهكذا... ونعود للقدس لنجد أنها تحتوي على أغرب العواميد وهي تلك الحاملة لقبة كنيسة القيامة في الحي الأرمني وهي الكنيسة الأهم في المسيحية... المشكلة هنا هي أن الطوائف الكاثوليكية المختلفة تتنافس للوصاية على الكنيسة وهم يتنافسون على كنس المساحات تحت الأعمدة والأساس هنا أن حق التنظيف يعكس حق الوصاية... الشاهد أن مسؤولية تنظيف الأعمدة موزعة حسب الطوائف المختلفة كالتالي (من الشرق إلى الغرب): الأقباط لهم حق كنس تحت العامود رقم 10 و11... والأرثوذوكس 5 إلى 8 واللاتين 1 إلى 4 وهكذا.
* أمنيــة:
أتمنى أن لا ننسى أهمية العواميد في حياتنا... سواء كانت بداخل أجسامنا أو خارجها... ولنتذكر دائما أعمدة القدس التي تشهد على الظلم الإنساني، والسياسي، والعمراني، في صمت حزين بينما ينشغل العالم وسكانه في أمور الدنيا.. والله من وراء القصد.