أشياء كثيرة تجري في العالم ولا تتابعها محطات الاخبار، مقابل أخبار أقل ما يقال عنها انها غير مهمة، و يعطيها الاعلام مساحة كبيرة في تغطياته، و قال مارتن شو في كتابه: المجتمع المدني والاعلام في الازمات الدولية(1996) ان الاعلام يقع بين العوامل الاساسية، التي احدثت تحولاً كاملاً في سياسة الولايات المتحدة وبريطانيا، الخاصة بشمال العراق والتدخل لحماية اللاجئين الاكراد، وانه رغم المبالغة في وصف دور الاعلام، في مسألة التدخل والانسحاب من الصومال، الا ان الموقف العام، حتى بين المشككين، يميل الى اسهام التلفزيون في توجيه القرارات السياسية ، وفي كوسوفا، طرحت التغطية المركزة للصراع اسئلة كثيرة، عن وظيفة الاعلام في قرارات التدخل.
لو وافقنا على حضور الاعلام، في دائرة صناعة وتعديل السياسات الحكومية الخارجية، فمن البديهي ان يؤدي غيابه الى اقرار سياسات خاطئة او غير ناضجة، وافتراض الاخذ برأي الاعــلام ، في تحديد الاولويات السياسية، يعني ان عدم ادراج صراعات خطيرة، في قائمة الاهتمامات الخارجية للدول، يعود الى ممارسة الاعلام تعتيماً على اخبارها، وربما حرض التركيز الاعلامي المبالغ فيه، بعض الدول، على الدخول في ازمات سياسية لا علاقة لها بها، اما بتقديم المساعدات الانسانية او الخدمات الطبية، او في حالات استثنائية التدخل العسكري، والمثال، اقتراح تكوين قوة عسكرية متعددة الجنسيات، لتأمين وصول المساعدات الانسانية الى اللاجئين في شمال زائير عام 1996، ثم إلغائها بحجة ان التطورات على الارض، تشير الى تحسن ظروفهم جزئياً، وقرأت في مقابلــة اجريت مع دبلومـــاسي في الامم المتحدة، ان التـــراجع عن القرار، كان لأن الولايات المتحدة، صاحبــة المبــــادرة، غيرت رأيهـــا، بعدما اتضح لها ان الاعلام لن يهتم بالموضوع، وكتب كوفي انان،

في الإعلام الأمريكي: موت اطفائي أمريكي يساوي 10 شرطيين انجليز و50 عربياً و500 افريقي

الامين العام السابق للامم المتحدة، في مقالته العلمية: حفظ السلام في حالات الحرب الاهلية (1994) ان قدرة الاعلام على التأثير في السياسة الخارجية، ليست ظاهرة جديدة، الا انها ظهرت بصورة بارزة، منذ ثمانينات القرن العشرين، واستدل بردود الافعال العالمية، على التغطيات المكثفة للمجاعة في اثيوبيا.
الشيء الاخر، ان افراد الاعلام مساحات تغطية واسعة لاي حدث، تشترك فيه عوامل من بينها، التنافس على المشاهد والقارئ، وهو ادى الى تعامل التلفزيون والصحافة المطبوعة مع الاخبار، كمواد استهلاكية، وقيد مجهودها في صناعة الاخبار، التي يقبل عليها المستهلك المحتمل، وهذه الضغوط التجارية، حسب لاري مينار وزملائه في كتاب: اخبار الاعلام، الحرب الاهلية والعمل الانساني (1994) فرضت على الاعلام و ضع الاخبار في أقوال مثيرة، تجمع بين التسلية والمعلومة، واشار فيليب كنايتلي في مؤلفه: المصيبة الاولى (2000) الى قصص سيئة السمعة، ابطالها مراسلون قاموا بزيارة لمخيمات لاجئين، وسألوا عن امكانية وجود حالات اغتصاب يتكلم ضحاياها الانجليزية. اما لماذا؟ فلأن التحليل العقـلاني والعميق، فـــي تغطية الصراعات السياسية، ومحاولة البحث في تعقيداتها، وربطها بغيرها، لا يحـرك اهتمـــام المتابع، او يبقــــي عليه لفترة طويلة، مقارنة بالتقديم البسيط والعاطفي، لفكرة المواجهة بين الخير والشر، ومعاناة ضحايا الاضطهاد، بجانب ان الفكر الاقتصادي الجديد في الاعلام، وحفظه لموازنات الاخبار، جعله يعتمد في بناء اخباره على ما تنقله وكالات انباء كـ«رويترز»، اسوشيتد برس و فرانس برس، والـــوكالات تكيــف محتوى واسلوب اخبارها، بما ينسجم وتطلعات المستهلكين الاساسيين، وهـذه المسألة لها تأثير محسوس، بالذات في تغطيات الصحافة الورقية والالكترونية للاحداث العالمية.
اورد دانيال هولين في اصداره: الحرب غير المراقبة (1986) ومعه لانس بينيت (1990) و جونثان ميرمن (1999) ان محتوى الاخبار في الاعلام الامريكي، انعكاس لاولويات وافكار النخبة في الحكومة الامريكية، وان الاعلام يفهرس اخباره طبقاً لوجهات النظر الحكومية. اذن واستناداً الى الكلام الاخير فالمعادلة مقلوبة، والاعلام لا يمارس تأثيراً بل يؤدي وظيفة، ولا ننسى ان المصادر الرسمية، بدائل رخيصة واحياناً مجانية ، تسقط تكاليف السفر الى مواقع الازمات، ولها امتيازات، كتعزيز الثقة في الخبر، وتجاوز احتمالات الفبركة والتلفيــق، و وفــــق هذه الرؤية فــــإن الاخبار الدولية الاكثر اهميـــة، يتم الترتيب لها، وادارتها اقتصاديا، دبلوماسيا وعسكرياً، في عواصم اوروبا وامريكا، بمعنـــى ان الحكــومات تقـــرر ما يصلح كخبر وما لا يصلح وليــس الاعلام، و رأي افيريت روجرز وجيمس ديرينغ (1994) ان الاحداث التي يهملها الاعلام لايهتــــم بها المجتمع، وكتبت ســوزان مولـــر في : ارهاق الشفقة (1999) ان مـوت اطفــائي واحد في بروكلين، يساوي عشرة رجال شرطة انجليز، وخمسين عربياً، وخمسمائة افريقي. و وجهة النظر الثانية يؤكدها ان الطفل الكوبي ايليان غونزاليس ، كان اكثر اهميــــة في تغطيات الاعـــــلام الامريكي عام 2000 ، من مليون قتيل في الكونغو، وثلاثمائة ضحية في الاراضي المحتلــة، وفي نفس العام سيطرت اخبــــار اسرائيل وفلسطيــن، وتقديم الاولى على الثانية مقصود، على الاعلام الدولي، وسجلت افريقيا نسبة خجولة تراوحت بين 2 و9 في المئة، لـــدرجة ان جريدة يوميوري اليابانية، افـــردت لقضية الشرق الاوسط النصيب الاكبر في اخبارها الدوليـة، واضيف بان المؤسسات العسكرية الغربية، تضع في حالات الحروب التي تشارك فيها، قيوداً على وصول الاعلام الى مناطق الصراع، وتستبدل ذلك بالمؤتمـرات الصحافية، وفيها يوزع العسكريون مقاطع الفيديو والاخبـــــار للمــراسلين، والنتيجة مريحة مادياً للمؤسســـات الاعلامية، الا انها تخـــدم المـوقف الرسمي وتبرره، وتترك له حرية مطلقة، على حساب التغطية المستقلة والنزيهة.
binsaudb@yahoo.com