إيرباص
«المطازيز» من أروع المأكولات السعودية شكلا وموضوعا، ولكن اسمها الغليظ يُسبب معضلة للبعض تحجب من روعتها....و»المعصوب» هو أيضا من أروع المأكولات في بلدنا ولكن شكله الغليظ يُسبب حاجزا نفسيا للكثير، والإيرباص من أروع الطائرات التجارية على الإطلاق ولكن اسمها يحتوي على نسبة «لقافة» لا بأس بها فهو يُقلل من شأنها. ومن جانب آخر نجد أن شكلها أيضا لم يُساعدها على دخول قلوب المسافرين، جسمها ضخم جدا و«أرجلها» طويلة نسبة إلى حجمها كأنها أوزة سمينة، وأنفها منخفض وكأنها تشتم الأرض بحثا عن رزقها. وبالإضافة إلى كل ذلك فهي تحتوى على محركين فقط، لكن الواقع أن هذه الطائرة مظلومة، فهي تمثل شجاعة في التنافس والتفوق ضد عمالقة الطيران التجاري مثل بوينج، ودوجلاس، ولوكهيد التي اكتسحت سوق النقل الجوي إلى مطلع الثمانينات الميلادية...وتاريخ الإيرباص يحتوى على العجائب فرغم أنها طائرة أوروبية، فالذي وضع فكرتها أمريكي اسمه «فرانك كولك» وكان أحد مسؤولي شركة «أمريكان ايرلاينز»، كانت فكرته أن تكون هناك طائرة ضخمة بممرين في مقصورة الركاب وأن تكون أصغر من الجامبو ولكن بمحركين فقط، فكرة جنونية آنذاك لأن الطائرات الضخمة كانت كلها بثلاثة أو أربعة محركات، وفى نهاية الستينات الميلادية تضافرت الجهود من شركات أيروسبسيال الفرنسية (التي صنعت مقصورة القيادة ومنتصف الطائرة) ودويتش أيرباص الألمانية (صنعت مؤخرة الطائرة) وهوكر سيدلي البريطانية (الجناح) والأسبانية كازا (الجنيح الخلفي وبعض الأبواب) و فوكر الهولندية (بعض أسطح الجناح) وجنرال إليكتريك الأمريكية (المحركان)... وطارت بنجاح أول طائرة في مطلع السبعينات وكانت فكرتها جريئة جدا فكانت الأضخم في العالم بمحركين فقط...وتميزت أيضا بخصائص أخرى فقد كان كل من محركيها هو الأقوى على الإطلاق في تلك الأيام، أقوى من محركات الجامبو، واللوكهيد ترايستار ، والدي سي 10...وعندما بدأت أسعار النفط في الارتفاع في مطلع السبعينات، سطع نجم الإيرباص اقتصاديا نظرا لقدرتها على حمل عدد كبير من الركاب باستخدام محركين فقط وبالتالي كانت بطلة توفير الوقود نسبة للراكب ... ولكنها تألقت في مجال آخر وهو تقنية الطيران...وفي عام 1981 كانت الخطوط الجوية العربية السعودية أول من طلب طرازا جديدا من الإيرباص وهو 600-300أ وكان يتميز بتقنيات متقدمة جدا ومنها على سبيل المثال لا الحصر: مقصورة قيادة حديثة جدا لطيارين فقط بدلا من ثلاثة ملاحين من تصميم شركة «بورش» للسيارات الرياضية...ومحركات جديدة أقوى من الإيرباص الأولى...وذيل جديد...ومواد تصنيع جديدة أخف وزنا...ونظام دفع جديد غاية في الذكاء...وأنظمة جديدة بالكامل للتحكم بالحواسيب...وأنظمة ملاحة أسهل...وسعة أكبر للركاب والبضائع...ومدى أطول...وشاشات عرض إليكترونية سهلة القراءة والتشغيل للطيارين...سلوا أيا ممن طار بهذه الطائرة ولن تسمعوا إلا المديح لقدراتها الجبارة وسهولة التحكم فيها من خلال الأنظمة المتقدمة...وبالرغم من كل هذا لم تدخل هذه الطائرة المظلومة قلوب ركاب السعودية...بعضهم سيقول لك أنها الكراسي...وبعضهم سيقول انها مزعجة...وكل هذا قد يكون بسبب اسمها الذي قد يذكرنا بالنقل الجماعي...أو شكلها والله أعلم...ومنذ فترة وجيزة أحالت السعودية جميع طائرات الإيرباص على التقاعد...وخلال الشهر القادم ستوقف الشركة الأم في «تولوز» بفرنسا خط إنتاج الإيرباص 300 بأكمله نظرا لقلة الطلب عليها ... بالخير.
أمنيتان
تاريخ الطيران في بلدنا حافل بالإنجازات الرائدة ومما لا شك فيه أن الإيرباص 300 كانت جزءا من هذا التاريخ المميز...أتمنى ألا ننسى ما قدمته من خدمات نقل مميزة، وخصوصا أنها كانت إحدى الطائرات العاملة على خط المدينة المنورة فساهمت بحمل ملايين المؤمنين بأمان لزيارة احدى أغلى البقاع في العالم على قلوبنا...ولكن دعونا لا ننسى أن الطائرات هي مكائن لا روح لها والأهم هو دور العاملين المخلصين على تشغيلهم وصيانتهم عبر السنين... ومعظمهم ينتمون إلى فئة الجنود المجهولين...وهنا أود أن أشكر الكابتن محمد محرق على مساعدته القيمة في توفير معلومات عن هذه الطائرة...وأخيرا سأكرر أمنيتي لإنشاء متحف الطيران المدني في جدة لحفظ ذاكرة إنجازات الطيران والرجال الذين شيدوا هذا الصرح في وطننا.
والله من وراء القصد.