الأمن القومي العربي.. بين حركات التمرد وسياسة المحاور !
الفوضى الأمنية في العراق، والقتال الجاري شمال لبنان بين الجيش ومنظمة «فتح الإسلام»، والاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني، والحروب الباردة بين الدول العربية، وإقرار المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رفيق الحريري، وفرض عقوبات جزئية على سوريا والسودان، وتردي أوضاع الجزائر، وازدياد إعداد المنظمات المتطرفة؛ كل ذلك يُنبئ بمستقبل غامض للمنطقة وأهلها، ويكشف تضعضع منظومة الأمن القومي العربي، الذي يُواجه حالياً تحديات خطيرة، محلية وإقليمية، وخروقات استراتيجية حادة، مهّد لها اجتياح القوات الأمريكية والبريطانية لبغداد، واختفاء دولة العراق الحديث، التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى، لتضع إيران (على غفلة) يدها على العراق (غريمها التاريخي) وكأن التاريخ يُعيد نفسه لاسيما في مراحل الضعف العربي، عندما كانت بغداد تُدار من خراسان، أثناء خلافة المأمون، قبل أن تنتفض القبائل العربية على سياسته التي استدركها لاحقاً. إن استئصال العراق من الجسم العربي أحدث ثغرة واسعة في

«فتح الإسلام» أنموذج لحركات التمرد الذي يتحدى عرباً يعانون بطء الإصلاح

الأمن الاستراتيجي للأمة، التي تعاني أيضاً من تداعيات انفصام سوريا عن محيطها العربي، وسياسة المحور السوري/ الإيراني، بالتنسيق مع بعض الفصائل الفلسطينية واللبنانية، وخطورة السلاح النووي الإيراني على العواصم الخليجية التي لا تبعد بعضها عن المفاعل الإيراني سوى أميال قليلة. على المستوى العقدي بات تفشي الاصطفاف المذهبي مصدر اضطراب للأمن القومي العربي، إذ أفرزت أيديولوجيا التصنيف المذهبي تنظيمات عقدية/ سياسية/ مسلحة، ازدهرت في أجواء التجاذبات السياسية والمذهبية، ولعل فتح الإسلام أنموذج للحركات المتمردة التي تشكل تحدياً حقيقياً لبعض الدول العربية، التي أصبحت تعاني أيضاً من بطء سياسة الإصلاح والانفتاح، بسبب القلق الأمني وحالة الاحتقان السياسي الإقليمي، والتوتر المذهبي. ومما يزيد حالة الارتباك السياسي نشوء محاور وتكتلات سياسية غربية متضادة المصالح ومتناقضة الأهداف من جهة وفشل السياسات الأمريكية في المنطقة من جهة أخرى. بدءاً من فشل الولايات المتحدة في حل الصراع العربي- الإسرائيلي، وقيام دولة فلسطين مروراً بفشلها أيضاً في احتلال العراق وانتهاء بالتحول الاستراتيجي نحو طهران، الذي سيكون على حساب المصالح العربية لجهة الموضوع النووي أو الملف العراقي، وتبرر الإدارة الأمريكية هذا التحول الاستراتيجي في العلاقة مع طهران بعجز الدول العربية عن ملء الفراغ الحالي في العراق، وبعض المناطق الحساسة في العالم العربي. إن إعادة تسييج الأمن القومي العربي يتطلب حزمة من الاستراتيجيات الذكية، انطلاقاً من تمتين الجبهات الداخلية في كل دولة، وتطبيق مبدأ العدالة الاجتماعية، وتوسيع حجم المشاركة الشعبية، وتسريع مشاريع الإصلاح، وكذلك إعادة بناء الأمن القومي العربي من خلال العمل المشترك، عبر سياسات جديدة بالمعنى السياسي والعسكري والتشريعي، مع أهمية إعادة سوريا إلى الحظيرة العربية وتفعيل مثلث (الرياض/ القاهرة/ دمشق) والبحث عن مشتركات رئيسة مع إيران، فالاستقرار الاقتصادي والسياسي يصب في ضفتي الخليج العربية والإيرانية، السنية والشيعية، والعكس صحيح.
alfirm@gmail.com