انتشر الحديث في بعض أجهزة الإعلام عن الجسر المزمع إنشاؤه ليربط بين المملكة وبين جمهورية مصر العربية. هذه في الواقع فكرة قديمة مضى عليها أكثر من عشرين عاماً، وحسب علمي لم تتم دراستها هندسياً وفنياً بالشكل الكامل، ولم تجر عليها دراسات جدوى دقيقة تبرر بناء هذا الجسر من عدمه.
البعض اعترض على إنشاء مثل هذا الجسر، ولهم في ذلك مبررات مقبولة، وهناك من يحبذ بناءه للربط بين أكبر دولتين عربيتين، وبين البحر الأحمر والخليج عن طريق الخطوط البرية.
فهل فكرة هذا الجسر العظيم مجدية ومفيدة من جميع أوجهها؟ وهل الفوائد الناتجة من الجسر تبرر تكلفة بنائه؟ ومَنْ مِن الطرفين سيتحمل تكلفة البناء، أم أنها ستكون بالمناصفة بين الدولتين؟ كل هذه الأسئلة وغيرها يجب دراستها، سواء من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية، أو من الناحية الأمنية والاستراتيجية.
هناك بالطبع جسور مشابهة وأنفاق كبيرة أقيمت في أوروبا لتربط بين دولها وتسهل عمليات المرور والتنقل بينها. ولكن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني في أوروبا يختلف تماماً عن أوضاعنا هنا، كما أن

الجسر السعودي- المصري يحتاج إلى دراسة متأنية بجوانب بنائه الإيجابية والسلبية

تلك الجسور والأنفاق التي أُنشئت بين دول أوروبا خاصة بعد الحرب العالمية الثانية كان لها دلالة كبيرة تتعلق بوحدة أوروبا والسلام الذي لا بد أن يسود فيها بعد حروب أزهقت عشرات الملايين من الأرواح ودمرت المدن وغيرت الكثير من ملامح الجغرافيا والتاريخ.
فإذا كان السبب الرئيسي لبناء جسر بين المملكة ومصر الشقيقة هو سبب قومي عاطفي للربط بين المجتمعين، فهو سبب غير مقبول ويجب استبعاده. هناك بعض الأمثلة التاريخية لمثل هذه القرارات العاطفية غير المدروسة التي كانت نتائجها كارثية، ولا يجب تكرار التجربة.
ثم هناك بعد ذلك مبررات أخرى، مثل المبررات الاقتصادية والسياحية والأمنية وما شابهها، تحتاج إلى تمحيص ودراسة.
من وجهة النظر الأمنية سوف يتطلب الأمر نظاماً أمنياً دقيقاً ومكلفاً للحد من عمليات التهريب بشتى أنواعه، وضبط المخالفات الأمنية. فطالما أن هناك نظام ضرائب بين البلدين، ونظام عملة مختلفاً، وأنظمة اقتصادية وتجارية متفاوتة، إلى آخر هذه الأمور، فسوف تزداد حدة التهريب والمخالفات الأمنية التي تحاول كسر هذه الأنظمة بالطرق غير القانونية.
أما من وجهة النظر السياحية، فالأمر ليس في صالح البلدين. فلربما يحدث تدفق هائل من السواح السعوديين من مختلف الطبقات الاجتماعية والاقتصادية بما يشبه الغزو في فترات المواسم والعطلات. وهذا يعني ازدياد معدل نمو السياحة الخارجية من المملكة بشكل كبير، وبالتالي تدفق النقد والسيولة إلى الخارج بأضعاف مما هي عليه الآن.
كذلك بالنسبة لمصر الشقيقة فسوف يضيف هذا عبئاً كبيراً من الراغبين في دخول مصر بسياراتهم وعائلاتهم وإمداداتهم، سيكون من الصعب التحكم فيه وخاصة في مواسم العطلات والأعياد. وبالنظر إلى ما تعانيه المدن المصرية الآن من ازدحام في البشر والمرور والسيارات فسوف يكون هذا بمثابة حمل جديد آخر قد يصعب على الجهات المختصة هناك أن تتعامل معه.
هناك بعد آخر يجب أيضاً دراسته بتأنٍّ، وهو عامل العناصر الإرهابية أو المطلوبة أمنيا، حيث ستسهل حركة هذه العناصر في التنقل بين منافذ البلدين عن طريق هذا الجسر الكبير. بل ربما يصبح الجسر نفسه هدفاً للأعمال الإرهابية.
لذلك، وبالرغم من جاذبية الفكرة، فهناك أمور تدعو إلى التريث في بناء هذا الجسر بين المملكة ومصر الشقيقة، في الوقت الحالي على الأقل.
dr_ayb@yahoo.com