لغتنا العربية.. والخياط
أعجب من الذين ينفعلون للدفاع عن تدريس بعض المواد العلمية بلغة أجنبية في مدارسنا، وأود أن أسألهم سؤالاً واحداً فقط كيف نجحت اليابان والصين وفرنسا وألمانيا (كأمثلة فقط) نجاحاً باهراً في كل المجالات لم نبلغ في عالمنا العربي ولا واحداً في المائة منه (لأننا نستورد كل شيء، حتى لغة العلم) وهم يُدرسون جميع العلوم بلغتهم؟! نحن لسنا ضد تعليم اللغات، فأنا من المشجعين لذلك لأبنائي وبناتي وطلابي وطالباتي، ولكن ليس على حساب لغتنا الأم لغة القرآن، لغة الضاد الجميلة، فمن المحزن المبكي أن تجد شاباً عربياً (أو شابة عربية) يتحدث الانجليزية بطلاقة لكنه لا يستطيع أن يكتب جملتين صحيحتين بالعربية أو ينطقهما نطقاً صحيحاً. إن الدراسة التي قام بها سعادة الأستاذ الدكتور زهير السباعي ونشرها في كتابه عن تعريب الطب أثبتت أن استيعاب الطالب العربي الأصل (مهما أجاد اللغة الإنجليزية في المجال الطبي) أفضل بكثير لو أُعطيت المحاضرة باللغة العربية (اللغة الأم) لأن المصطلحات الطبية التي يتخذون منها حجة لرأيهم لا تمثل أكثر من 3% في المحاضرة. لا يستهويكم تعلم اللغات على حساب طمس هويتنا العربية الإسلامية، فأنا من المطالبين بتعريب الطب والعلوم ولكن بشرطين أساسيين:
أ- أن تكون إجادة الطالب للغة الإنجليزية حديثاً وكتابة شرطاً أساسياً للتخرج من كلية الطب والكليات العلمية.
ب- أولاً وقبل تعريب الطب وباقي العلوم، نؤسس مراكز ترجمة كبرى على مستوى العالم العربي (من خلال الجامعة العربية) لترجمة علوم الأمم المتقدمة والمتحدثة بغير العربية (إلى

من المحزن المبكي أن عربياً يتقن الانجليزية بطلاقة ولا يجيد جملتين عربيتين

العربية) أولاً بأول من الكتب المعتمدة والمجلات المتخصصة. وأخيراً أود أن أطرح سؤالاً لمن يُطالبون بتغريب العلوم (أي تدريسها بغير العربية) يُوجهونه لأنفسهم بصدق، هل أوروبا استفادت من الحضارة الإسلامية في أوجها بتعلم العربية أم بترجمة تلك الحضارة إلى لغاتها؟!
* * *
* قرأت لأستاذنا الكبير عبدالله خياط مقالاً في هذه الصحيفة بعنوان إنه عمل غير صالح، وعجبت مما جاء فيه من تهجم عنيف على ناشر كتاب (مكة المكرمة منبع العلم والحضارة- أهلها- حاراتها- أسواقها) الأستاذ محمد علي بن منصور أشموني، والذي لا أعرفه حتى الآن إلا من خلال مهاتفته لي لأكتب عن مكة المكرمة في الطبعة الثانية، بعد أن أهداني نسخة من الكتاب الزميل العزيز د.عبدالعزيز رادين، وأول ما علقت له على الكتاب للأستاذ محمد على كثرة أخطائه المطبعية.
وما أود أن أسأله الأستاذ الكبير عبدالله خياط هو التالي: أ- أليس في التنويه الذي علقت عليه طلب من الناشر بأنه يسره أن يتلقى التعليقات والإضافات والاقتراحات الهادفة والبناءة وكل ما يعطي الكتاب قوة على هواتفه الجوالة وعنوانه البريدي وعنوانه الإلكتروني (والتي دونها في ذلك التنويه) فلماذا لم تتصل به وتنبهه عن تلك الأخطاء، فالأخطاء اللغوية قد تكون مطبعية، والأخطاء الجغرافية ممكن تصحيحها، وحتى الإشارة إلى خطئها في الطبعة الأولى. ب- صحيح أن للزخم معنى الرائحة المنتنة، ولكن له معنى آخر وهو التزاحم والتدافع، وأنت رجل أديب وتعرف الاستعمالات المجازية، فكيف فاتك أن كلمة زخم تتردد في كتابات الأدباء بهذا الاستعمال لتفيد معنى الامتلاء والانتشار تشبيهاً له بقوة وانتشار الرائحة؟!
ت- لماذا هضمت حق باقي الكتاب؟ فقد قرأت الفصل الذي كتبه الأستاذ عبدالله حبابي ووجدته من أجمل ما كُتب عن أهل مكة وعاداتهم وأخلاقهم وحاراتهم وأسواقهم وعمدهم، وقد ذكر فيه أكثر من عشرين مرجعاً كتبت عن مكة المكرمة.
ث- أليس للمجتهد أجر إن أخطأ وأجران إن أصاب؟! وما علمته من الأستاذ الأشموني (هاتفياً) أنه اتصل بعشرات من المكيين والمكيات للكتابة في الطبعة الثانية من الكتاب، وهذا جهد يُشكر عليه، كما يُشكر على الجهد الكبير الذي بذله في الطبعة الأولى رغم بعض الأخطاء القابلة للتصحيح، أما الأخطاء اللغوية فحدث ولا حرج ليس في هذا الكتاب فقط وإنما في الصحافة والإعلام وعلى ألسنة المسؤولين والوزراء ومن خريجي الجامعات -أرجو أن تقرأ الفقرة الأولى من مقالي هذا- ولكن هذا لا يعني أن نهضم حق الغير في اجتهاده ولا يجوز لك أن تختم مقالتك بقوله تعالى: «فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون». فلو ذكرت الآية من أولها كما يقول الحق تبارك وتعالى: «فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون». فحرام عليك يا أستاذنا الفاضل أن تتهم تلك النخبة من الكتاب بالويل مما كتبوا وحرام عليك أن تتهم عملاً طيباً باسم مكة المكرمة بأنه عمل غير صالح، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. هدانا الله وإياك للحق.