خبز وكرامة.. أم ديمقراطية أمريكية
في كتاب يصدر عن معهد هوفر بعد شهرين من هذا العام يقول الباحث السياسي لاري دياموند: ندخل إلى حقبة تبدو فيها الديمقراطيات في تراجع. ماذا حدث؟ أولاً في العراق حرب الولايات المتحدة على الإرهاب، كانت مزيجاً من الرحمة والنقمة، فالرئيس بوش قال إن نشر الديمقراطية كفيل بمنع الهجمات الإرهابية في المستقبل، لكن سياساته جعلت من الحريات وانتشارها عملاً في منتهى الصعوبة، إذ إن المنطقة صارت مهددة بالفوضى، واحتاجت الولايات المتحدة إلى ضبط الوضع ومنعه من المزيد من التردي. وقد ذهبت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إلى مصر عام 2005 معتبرة الديمقراطية على رأس جدول الأعمال، أما وزير الدفاع غايتس والذي ذهب قبل شهر إلى القاهرة، فإنه رفض ذكر الديمقراطية على لسانه مطلقاً. وهناك من جهة أخرى: النفط، فكما قال توماس فريدمان المحرر بالنيويورك تايم، فإن الحريات تمضي في اتجاه معاكس لأسعار النفط، فقبل حرب العراق كان سعر البرميل يراوح بين 20 و30 دولاراً، أما اليوم فيراوح بين 50 و60 دولاراً، ولا يبدو أن السعر سينخفض في المدى القريب، بسبب زيادة الطلب من جانب الصين والهند، وهذا يعطي البلدان التي تملك مخزوناً كبيراً من النفط مثل روسيا وفنزويلا وإيران والسودان -والآن نيجيريا- أموالاً أكثر وقدرة أكبر

الديمقراطيات الأمريكية إن لم تضع خبزاً ولحوماً على الطاولة فالناس تختار الديكتاتورية

على رشوة التمردات الداخلية أو قمعها. كما أن ذلك يمكنها من كسب أصدقاء، والتأثير في سياسات من حول العالم، أما قبل عقدين، فقد كانت تلك القوى في حالة دفاع، واليوم تنمو تلك القوى وتتزايد إذ يتناسخ هوغو شافيز في بوليفيه والاكوادور، أما إيران فهي على عتبة الهيمنة على الشرق الأوسط.
وهكذا فإن المستقبل يحمل الديمقراطية مشكلات معقدة، على أن اكبر المشكلات بالفعل للديمقراطيات الموجودة، إنها لا تحسن حياة الناس العائشين في ظلها بالسرعة الكافية، ففي بنغلاديش وهي إحدى أكثر دول العالم فقراً، وأكثرها فساداً، نزل الناس إلى الشوارع فرحين عندما أزال الجيش الحكومة الديمقراطية في شهر كانون الثاني الماضي، وبحسب كل الاستطلاعات فإن أكثرية روسية ساحقة، تحب الرئيس بوتين، وإذا كان هوغو شافيز أحد أقل زعماء أمريكا اللاتينية ديمقراطية، فهو، بين أكثرهم شعبية في بلاده، وبين الناس في شبه القارة، وفي معظم البلاد التي اعتنقت الديمقراطية بعد نهاية الحرب الباردة، فلا انخفضت نسبة الفقر، ولا تراجعت نسبة الفساد، وعندما يقدم أوتوقراطيون مثل بوتين وشافيز على زعزعة أسس الحريات والحكومات الديمقراطية، فإن أولئك الجنرالات وأشباههم من العسكريين يفعلون ذلك تحت شعارات الشفافية والإدارة النظيفة، ويقولون إنهم إنما يفعلون ذلك ليس بحثاً عن سلطة، وإنما من أجل الإصلاح، وخدمة المواطنين الفقراء، وتأمين الحاجات الأساسية. وإذا كان الأمر كذلك فماذا على الولايات المتحدة أن تفعل؟ لا ينبغي أن يكون الجواب على التحديات التنازل عن الديمقراطية، بل ينبغي السعي لمساعدة الديمقراطية، لقد تحدث الرئيس بوش، وتحدث إداريو عهده كثيراً عن الحريات. لكن، كما أدرك زعماء أمريكيون من قبل؛ فإن الديمقراطية إن لم تضع خبزاً ولحوماً على الطاولة، فإن الناس يختارون الديكتاتورية، ومن أجل ذلك عمدت إدارة الرئيس هاري ترومان إلى اجتراح خطة مارشال؛ وذلك لدعم حكومات أوروبا الغربية في تحسين ظروف حياة شعوبهم، ويكون على العالم الغني اليوم أن يسلك سياسات مشابهة بإسقاط الديون على الدول الفقيرة، وفتح الأسواق، وتقديم المساعدات التي تحدث انفراجاً حقيقياً في البلدان الفقيرة، وقبل عدة أسابيع فتح المرشح للرئاسة الديمقراطي باراك أوباما الطريق كذلك باقتراح مضاعفة المساعدات الأمريكية للدول الفقيرة والبدء بذلك من اليوم وحتى العام 2012.. وفي ظل الإنفاق في العراق الآن، لن يبدو المزيد من الإنفاق الخارجي جذاباً لدافعي الضرائب الأمريكيين، لكن إن أراد الجمهوريون منافسة أوباما أو التفوق عليه؛ فإن عليهم التفكير في الاتجاه نفسه. يقول أوباما: «إن الرغبة الحقيقية للبشرية ليس العيش الحر فقط؛ بل الكرامة والفرصة أيضاً، وكذلك الأمن والعدالة، والكفاية»..
* كاتب أمريكي، عن مجلة «تايم»