أحمد المانع.. ذاكرة لاقطة حافظة
ها هي المنون تختطف واحداً من جيل الرواد في الثقافة، الذي وهب عمره لها عملاً وتحصيلاً، إنه الأستاذ أحمد بن محمد بن عبدالعزيز المانع (1347- 1428هـ) الذي بارح عالم الفناء إلى دار البقاء يوم الجمعة 8/5/1428هـ- 25/5/2007م.
إنه رائد ابن رائد، وشهرة والده أوسع من شهرته، فوالده عالم معروف عيّنه الملك عبدالعزيز مديراً للمعارف بعد السيد محمد طاهر الدباغ، وكان لهما ريادة نشر التعليم في بلادنا قبل أن تتحول المديرية إلى وزارة عام 1373هـ حين تولاها الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- وزيراً وكان أحمد شبلاً من ذلك الرائد غير أن ريادته كانت في مصر طيلة عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات الهجرية من القرن الماضي حيث كان ملحقاً ثقافياً في فترة هي أزهى فترة البعثات إلى مصر، درس فيها كثير من الذين عادوا وحازوا مناصب عالية، وأظنهم أجدر من

كان مثالاً للرجال الذين يرتفعون بالعلم والحلم فيزدادون
عند الناس إكباراً

يتكلم عنه عملاً وخلقاً وثقافة وبذلاً في مساعدة الطلاب.
قرأت كلمة كتبها عنه د.عبدالعزيز الخويطر (الجزيرة 9/5/1428هـ) فوقفت كثيراً عند قوله عنه: «التفت الأستاذ أحمد إلى علوم اللغة العربية وآدابها، فخزن منها ما أفاده فصاحة، وذوقاً وإتقاناً لقواعدها، وأصول بلاغتها ومنطقها، ساعده على ذلك ذاكرة لاقطة حافظة» فوجدت أن هذا القول صوّر الفقيد الذي جمعتني به آخر حياته جلسات الشيخ حمد الجاسر صباح كل خميس إلى عام 1421هـ حين سبقه حمد الجاسر إلى الرحيل فانقطع المانع عن حضور الجلسات ويبدو أن حضوره من أجل حمد الجاسر، وكنت ممن ينصت إلى أحمد المانع إذا تحدث في اللغة أو الانساب، فقد كان يأتي بالمفيد النفيس مع أن الحديث يأتي عرضاً، ولكنه كما وصفه د.الخويطر خزن كثيراً من علوم اللغة وأنساب القبائل ونفائس كتب التراث مما يؤكد ما قاله عنه إن الله وهبه ذاكرة لاقطة حافظة. ويبدو أن الأستاذ أحمد كان من عشاق كُثر لمجالس العلم والثقافة وممن يجدون من الأنس بها ما لا يجدونه في غيرها، فقد ذكر من كتب عنه أنه عندما كان ملحقاً ثقافياًفي القاهرة يقضي عصره ومساءه في مجالس العلماء وندواتهم وفي المحاضرات، وصار ذلك جزءاً من برنامجه اليومي، أما تواضعه ولين جانبه فقد كان مثالاً للرجال الذين يرتفعون بالعلم والحلم فيزدادون في نفوس الناس إكباراً:
وجه عليه من الحياء سكينة
ومهابة تجري مع الأنفاس
وإذا أحب الله يوماً عبده
ألقى عليه محبة للناس
ذاك هو أحمد الذي رحل جسماً، وبقي ذكراً طيباً، يذكره الناس بكل خير ويدعون له بالرحمة، وهكذا يكون الرجال يكبرون في عيون الآخرين بأعمالهم لا بوظائفهم، وتكبر بهم الوظيفة، ولا يكبرون بها، ويتصدرون المجالس بالعلم والحلم، وتلك صفات حسان منحها الله لأحمد المانع، رحمه الله.
ص.ب 45209 الرياض 11512 فاكس 012311053
IBN-JAMMAL@HOTMAIL.COM