كلمة «طَفَس» في اللغة العربية تعني: «قَذرُ الإنسان إذا لم يتعهد نفسه بالتنظيف، يقال: رجل طفس: قذر، والأنثى طفسة، والطفس: الوسخ والدّرن» وقد تكون كلمة «طَفَش» تحويراً شعبياً لكلمة طَفَسَ، وأستنتج هنا أن من يزاول «سياسة التطفيش» شخص قذر ينبغي أن ينظف نفسه، ويخلصها من القذارة. ويبدو لي أن «سياسة التطفيش» تتمدد على مساحة واسعة من حياة المواطن في معظم المجتمعات العربية، حتى أضحت جزءاً من ثقافتها، ولا أريد أن أنكأ جراح المطفشين، ولكن الحديث الصريح عن «سياسة التطفيش» يساعد على وضع الإصبع على الجرح، ويعالج التداعي الإرادي لهذه السياسة، بدراسات علمية هادئة ومعمقة، تستهدف التعرف على تاريخها، ومن ثم تحليلها وتفكيكها، بما يخدم عملية التنمية المستدامة في تلك المجتمعات، ويعزز وحدتها الوطنية، ويجعل هواة التطفيش متصالحين مع أنفسهم، ومجتمعاتهم، ومبتعدين عن الصراع معها

هل صار التطفيش استراتيجية ممنهجة لها دهاقنتها ومرتزقتها والمتسترون عليها؟

بمنطق متردي، ينبغي أن يتوقف ويُجهض على مستوى الفرد، والجماعة، والمجتمع. وليس من المبالغة القول: إن أكثرية الناس يمارسون التطفيش، حتى أصبح استراتيجية اجتماعية وإدارية ممنهجة لها خططها، وبرامجها، ومنفذوها، ودهاقنتها، ومرتزقتها، وضحاياها، والمتسترون عليها، والمستفيدون منها، ولو دخلت سوق التطفيش لشاهدت العجب، ولسلكت طريقاً له نتوءاته وتعرجاته، ولتساءلت: أي ذهنية عقلية أو نفسية تسلك هذا السلوك؟ وهل هناك تقهقر في الإدارة، ومحسوبية، وعدم مبالاة، تستوجب المساءلة والمحاسبة والعقوبة؟
هناك محترفو تطفيش في الأوساط -على سبيل المثال لا الحصر-: الصحية، والإدارية، والتعليمية، والإعلامية، والاقتصادية، والاجتماعية، وهناك بعض المسؤولين والموظفين يفتقدون الخبرة الإدارية والنظامية (القانونية) ولكنهم لا يفتقدون خبرة الخضوع لسياسة التطفيش، وتنفيذ ما يرون من تجاوزات، وتطفيش أي موظف كفء متمكن من عمله، وشريف، ولا يتعامل بأساليب احتيالية، والمطفشون أشخاص يزخرون بالعيوب والآفات، ويقترفون التطفيش بقدرة منظمة، تشكل خروقاً لحقوق الإنسان، ولهم الكثير من الضحايا، ولذلك يواجهون رفضاً واستياءً مجتمعياً من سياستهم، ويتردد كلام كثير عنها وعنهم، وعن أهدافهم، ومراميهم، ونجاحهم في إعاقة التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وعدم تعايشهم مع مفاهيم: حقوق الإنسان، وحرياته، وسيادة النظام، ومشاركة الناس في القرار، وإقامة مجتمع العدل، والشورى، والمعرفة، والانتخاب، وتكافؤ الفرص. مقاومة «سياسة التطفيش» معركة ينبغي أن يتصدى لها أفراد المجتمعات العربية كافة، ليس بالاتجاه النقدي فحسب، بل بتشخيص الواقع الموضوعي لها، وتبنِّي منهجية الأخذ بأسباب العلم، والتراث الإنساني الذي يمكن الانتفاع به، لمواجهة أزمة تسيطر على قطاع واسع من الفكر المجتمعي، وتنطوي على أكثر من تيار، وتقود إلى التخلف الاجتماعي والاقتصادي، وتلغي البناء الاجتماعي المتقدم والمتطور.
«سياسة التطفيش» هي: ترياق سُم، ووجه وقح، ودماء تُسفح، فاتقوا الله يا هواة التطفيش لعلكم تُرحمون.
فاكس: 014543856 badrkerrayem@hotmail.com