نشرات الأخبار في التلفزيونات الحكومية لا تختلف شكلاً عن البروتوكول الرسمي في مؤسسات أي دولة. ويشعر الشخص بالملل والكآبة عند مشاهدتها، خصوصاً إذا كانت المصدر الوحيد لإثبات حقيقة خبر يتداوله الناس، مع هذا فالنشرات تشبه ساندويتش الخبز الأسمر، الذي يُؤكل لأسباب صحية، وليس لأنه طيب. ومن باب العلم بالشيء الساندويتش ابتكار يهودي. مناسبة الكلام ان الشبـاب الصغار، وهم الشريحة الاكبر والاهم في المجتمعات العربية، لا يتابعون الاخبار الجـــادة، رغم انهــم قد يصرون على اهميتها في حواراتهم، كما ان استخفـافهم ببرامج الاخبار الخفيفة، واعتبارها غبية وتافهة، لا يمنعهم من مشاهدتها والاستمتاع بها. والقاعدة تقول ان ميل الشباب للخبر الثقيل يكون مع تقدمهم في العمر، فقد طلب ديفيد غونتلت و آنيت هيل(1999) من مجموعة شباب بريطانيين، ولمدة خمس سنوات، تسجيل سلوكياتهم عند مشاهدة التلفزيون، وعلى اساس اليوميات، وجد ان برامج الاخبار الجادة، ترتفع اهميتها في الروتين اليومي للشباب كلما كبروا في السن، الا ان ما يقوله الشباب عن نفسه ليس حقيقياً دائماً، وحسب كـارين رايماكيرس(2003) فإن نفورهم من نشرات الاخبار، ربما يستمر ولا يتغير بزيادة اعمارهم، ولاحظ كيفن بارنهورست والين وارتيلا في: المواطنين الصغار، نشـرات الاخبار في التلفزيون الامريكي والذاكرة الجماعية(1998) ان فهم الشباب للمواطنة والسياسة، لا يحتاج، في نظرهم، الى نشرات اخبار، ولا يلغي كذلك رغبتهم فيها، اذا تغيرت طرق عرضها، ما يفسر التحول الحالي في محطات الاخبار الخاصة، والاختصار والسرعة فيها، واجمالاً الموضوعات التقليدية في الاخبار الجادة، لا يلتفت لها الشباب الغربي، وتأتي في اسفل قائمة اولوياته، بالذات اخبار السياسة، الثقافة والاقتصاد، والقضية مختلفة في حالة الشباب الخليجي واسواق الاسهم، وقالت اليزابيث بيرد في كتابها: الجماهير في الحياة اليومية(2003) ان غالبية الاخبار لا تؤثر في المشاهدين، الا اذا كانت تمسهم

الشباب ينحازون إلى الأخبار الخفيفة على حساب المواد الإعلامية كاملة الدسم

مباشرة، وبعودة الى بارنهورست وارتيلا فقد قالا ان الشباب لا يميــــزون نشـــرات الاخبار عن بقيـــة البرامج، ولا يضعون خطاً فاصلاً بين الاخبار الجادة والخفيفة، وان وعيهم السيـــاسي، تشتـــرك في تكـــوينه قائمة طويلة من الاشيــــاء وليس الاخبار وحدها، ذكرا منها: المجلات، الاعلانات، برامج تلفزيون الواقع، الرياضة والالعاب، واضيف اليها الانترنت، وهذه القائمة ترسم احلامهم الشخصية والعامة، وتشكل اسلوبهم الخاص، وطريقتهم في التعبير عن افكارهم السياسية.
عموماً، الشباب يتابعون بــرامج معينـــة، حتى يكون لهم رأي، فـــي الحوارات مع زملائهم، وينصحون بعضهم بمشاهدتها، ما يرفع جمهورها، ويؤكد حضورها، والدليل هو الشعبية الكاسحة للنسخة العربية من برنامج «ستار اكاديمي»، ويرى الشباب الاوروبي واحياناً العربي، بان مشاهدة التلفزيون ممارسة متخلفة، باستثناء برامج المسابقات وتلفزيون الواقع والمسلسلات، ويركزون على التفاصيل و مراقبة الاخطاء والتصرفات الغبية والمواقف المضحكة والغريبة والجديدة في برامج التلفزيون، والموضوعات التي تحرك فضولهم، واخبار المشاهير في الفن والرياضة، ايضاً يميلون الى البــرامج التي تحرضهم على التفاعل والتفكير، وتناقش مشاكلهم، والى البرامج الطبيعية والتلقائية اكثر من المتكلفة والمصنوعة، كما هو الحال في نشرات الاخبار الحكومية، والثانية لا يتابعونها الا مصادفة، او في الاحداث المحلية الضخمـــة، او اذا لم يكن لديهم عمل آخر يقومون به.
من زاوية اخرى، كتب تشارلز غرونهويجسن وفان ليمبت (1995) ان متابعة الشباب للاخبار، إن وجدت، لا تخرج عن دائرة قراءة العناوين العريضة، واستخدما عبارة «سبوتلايت تشايسرز» للتشخيص، واخذ كيفن بارنهورست، موقفاً اكثر تشاؤماً في كتابه: السياسة والشبكة المناسبة (1998) عندما قال بأن الاعتقاد السائد بين الشباب، هو ان المواد التي ينتجها الاعلام الرسمي بعيدة عنهم، والاتهام الاخير، مقبول الى حد ما، لان معظم الاخبار الرسمية تفضل «الشياب» على الشباب، وافترض روبرت بتنام (1995، 2000) وبعده ديفيد ميندش في كتابه: لماذا لا يتابع الأمريكيون نشرات الاخبار قبل سن الاربعين (2005) ان هامشية الاخبار الجادة بين جمهور الشباب، سببه مشاركتهم المحدودة في الحياة العامة. لعل التراجع في الشهية الاخبارية للجيل الجديد، لو تجاوزنا الاحوال السياسية التعيسة في العالم العربي، يعود الى التطور الكبير في تقنيات الاتصال، و فرصة الاختيار الحر بيــن عـــدد هــائل من المحطات الفضائية، مقارنة بالخيارات المحدودة والوضع الاعلامي في الثمانينات، ومعها الانترنت وخدمة الرسائل القصيرة او إس..إم. إس في الموبايل، ووفق الهولندي فرانك هويسمانس وزملائه (2004) لعبت ثورة المعلومات دوراً مركزياً، في اساليب حصول الشباب على الاخبار، التفاعل فيما بينهم ونوعية التسلية التي يحرصون عليها، وقال ستيفن جونسون في اصداره: جودة الاشياء السيئة (2006) ان التغير الثقافي يظهر اولاً في الجيل الجديد الـذي يعاصره، واستناداً الى رأي جونسون، يمكن القول ان نشرات الاخبار، لا تناسب ذوق الشباب الا نادراً، وتعتقد ديانز نيجس وفرانك بيترز في كتابهما: هندسة الخيال او « ايماجينيرينغ» (2002) والعنوان مأخوذ من مصطلح نحته والت ديزني في الستينات، ان الشباب لا يبحثون عن المعرفة والاخبار، وانما الاثارة والاحساس بالحياة والاشياء، و سجلت البروفسور سونيا ليفينغستون في اصدارها: الشباب والاعلام الجديد (2002) ان جذب الشباب للاخبار، يكون بتقديمها في قوالب مشوقة، لا تدخل فيها الانشائية والاضافات الثقيلة، ورأت سوزان بييت (2000) بان اعلام الاخبار الجادة، مطالب ببناء اجواء مغرية لتجربة المشاهدة، ليس فقط لاستقطاب الشباب الصغار، بل لتقديم خدمة صحافية ناجحة، وقابلة للحياة في المستقبل. بدون شك، الخفة تفقد نشرات الاخبار الحكومية حساسيتها وتوازنها، و قد تنخفض بها الى مستوى الاخبار المشكوك فيها، ولكن الشباب ينحازون الى الاخبار الخفيفة على حساب المواد الاعلامية كاملة الدسم، ثم لا ادري لماذا كل الاشياء تتطور الا الاخبار، والكلام هنا عن المضمون وليس الديكور.
binsaudb@ yahoo.com