على خفيف
نسيتم الطرف الأساسي.. المريض !
سأل طبيب مقيم أحد طلبة العلم -حسب ما نُشر- قائلاً له: إنه يعمل في مستوصف تجاري «خاص» براتب شهري قدره خمسة آلاف ريال، إلا أن صاحب المستوصف يُعطي الأطباء نسبة من الدخل الذي يأتي عن طريق كل واحد منهم إضافة إلى الراتب، فإذا كان الدخل الصافي للعيادة أكثر من عشرة آلاف ريال يعطى الطبيب عشرة في المائة من ذلك الدخل وإذا أصبح عشرين ألفاً تصبح النسبة خمسة عشر في المائة وهكذا بنسبة تصاعدية، فهل مثل هذا العقد محرم؟ فكان جواب طالب العلم أنه لا يرى مانعاً شرعياً في مثل ذلك العقد فمادام أن النسبة التي سوف تُعطى للطبيب السائل وغيره من الأطباء مقابل زيادتهم للدخل هي نسبة متفق عليها بينهم وبين صاحب المستوصف فلا مانع من ذلك!
ومع احترامي وتقديري لطالب العلم الذي قدم للطبيب السائل الفتوى المشار إلى خلاصة لها في السطور السابقة، فإنني أرى أن طالب العلم صاحب الفتوى كان يحتاج إضافة إلى ما وهبه الله من علم شرعي وفقه إلى ما يُسمى بـ«فقه الواقع»، حتى تكون فتواه مُغطية وملمّة بجميع جوانب الموضوع، وسبب قولي هذا أن عمل كثير من الأطباء في المستوصفات والمستشفيات التجارية يقوم على أساس إعطاء راتب متدنٍ للطبيب بهدف تخفيض ما على المستوصف أو المستشفى من مصاريف مع تحفيز الطبيب من جانب آخر على رفع مستوى دخل العيادة التي يعمل بها عن طريق إغرائه بعمولة وفق نسبة معينة تعطى له من دخل العيادة يتحسن بها راتبه الشهري المتدني الذي قد لا يليق إعطاؤه إياه لأنه لا يتعدى خمسة آلاف ريال. ولكن هذا الإجراء من جانب صاحب المستوصف وإن رضي به الأطباء ومنهم الطبيب السائل، إلا أنه إجراء ينعكس سلباً -حسب التجربة والواقع!- على الزبائن والمراجعين من المرضى، لأنه يدفع بعض الأطباء -ولا أقول كلهم- إلى العمل بطريقة مشروعة وغير مشروعة، على زيادة دخل عياداتهم على حساب المريض المسكين طمعاً في رفع ما يتقاضونه من الدخل حيث يرتفع دخلهم كلما ارتفع دخل عياداتهم وأخذوا نصيبهم ونسبتهم من ذلك الدخل، فتجد منهم من يُطالب المريض بعمل تحاليل وأشعة وفحوصات وإجراءات غالية الثمن قد لا يكون المريض في حاجة إلى معظمها أصلاً لعلاج مرضه. ولكن الرغبة في تحسين الدخل تقود إلى مثل هذه التصرفات التي يكون المرضى هم ضحاياها!، ولذلك فإن على أي طالب علم قبل أن يتصدى لمثل هذه الفتاوى التي تمس حياة ومصالح أفراد المجتمع، عليه أن يكون مُلماً بالواقع وفقه الواقع، حتى تأتي فتواه على بيّنة وأن يعلم أن هناك طرفاً ثالثاً تمسه تلك الفتوى هو المريض، وأن المسألة ليست مجرد عقد بين طرفين هما المستشفى والطبيب، وإن كان الأمر يبدو كذلك، لأن الدخل وزيادته يعتمدان على ما يدفعه المريض من رسوم، فإن بُني على أساس سليم حلّ للمستشفى والطبيب وإن بُني على الاستغلال لم يُحل! وقد أردت بهذا التنبيه لفت النظر إلى هذه المسألة حتى لا يفهم الأطباء أن التعامل بموجب نظام النسبة لتحسين دخولهم الشهرية لا مانع منه مهما كانت الوسائل المستخدمة للوصول إلى هذا الهدف المادي؟!
أضف تعليقك