بازروف الثائر لقضيته
تشريح الهوة بين جيلين
خالد ربيع السيد
سوف نتفق على أن شخصية (بازروف) في رواية “الآباء والأبناء” لـ(إيفان ترجنيف) من أروع ما قدمه الأدب الروسي من شخصيات روائية، فتلك الشخصية تجسد نموذجاً لثورة الجيل الجديد ـ القرن التاسع عشرـ على الجيل القديم، كما أنها تسعى الى تشريح الصراع بين الشباب والشيوخ ،بشكل إنساني عام. لكنها في الرواية تتناول مجتمعاً إشتراكياً بالتأكيد.
بازروف يتأرجح في مخيلتي مع شخصية الفتى الثائر في فيلم “ثائر بلا قضية” Rebel Without Acause التي أداها الممثل الأمريكي الإشكالي جيمس دين ـ مثل ثلاثة أفلام فكان جدليا منذ الثلاثينات الى يومنا هذا، وثلاثيته السينمائية دخلت الكلاسيكيات الأمريكية وأصبحت شخصيته ترمز الى ثقافة مرحلة بعينها في تاريخ أمريكا، مرحلة الحلم الأمريكي الرأسمالي الكبير ( التي ناهضها آرثر ميلر طبعاً) .
على كل حال مؤلف “الآباء والأبناء” وهو الكاتب (ترجنيف) الذي خرج من معطف نيكولاي غوغول بحسب مقولة تيودور دستوفيسكي (كلنا خرجنا من معطف غوغول).. رسم شخصية بازروف كشاب ذكي ومتمرد لايشترك مع الجيل القديم في كثير أو قليل من السلوكيات أو الأراء أو الفكر على نحو عام. أي أنه يمثل الإنفصال الثقافي بين جيلين متعايشين في زمن واحد، الأمر الذي أدى الى حدوث مفارقات وغربة (تعايشية)، وذلك ما يصوره ترجنيف بفنية فذة من خلال بطله بازروف ذو الشخصية الساخرة غير التقديسية. لايؤمن بازروف، بمسلمات الناضجين والعجائز في آن واحد، فهو معتد بأرائه المتجاوزة والتي يعلنها في صراحة حد الوقاحة، وهو أيضاً شخص غير مجامل، واضح في رفضه للرواسخ التي أسسها المجتمع المؤدلج.. هاجسه إذاً الفكر والأيديولوجيا التي جثمت على صدر روسيا ومناهضتها من جهة. ومن جهة أخرى المناداة حتى درجة الهوس بالمثل العليا التي يراها ويروج لها.
الباهر في رسم “كاركتر” بازروف أن كل هذه الصفات لا تبعده عن الأخلاقيات الإنسانية، وهو بعد كل ذلك إنسان بقلب كريستالي كبير، تراوحه لحظات خنوع حقيقية في وجود والديه مثلاً، أو في وجود مريض يتألم، أو في أي موقف ينم عن ضعف إنساني لأي شخص.
ترجنيف جعل بطله الثائر طبيباً بشرياً ،وهنا تكمن لعبة رسم الشخصية المثيرة ، فبازروف الذي لا يشغل باله سوى الفكر والتمرد عليه وعلى بديهيات الجيل القديم يموت ميتة التضحية في سبيل إكساب مهنة الطب تقدماً يفيد البشرية ويفيد هؤلاء الغلابى من الجيل القديم.. أعداءه يعني انه يلتقط العدوى وهو يشرح جثة مريض بالتيفوس، وهو يعلم أن التشريح به خطورة جسيمة،حيث وسائل التعقيم شحيحة، لكنه يريد أن يضع حداً لهذا الوباء. يحاول إيجاد لقاح للمرض فيموت هو.!!!
جيمس دين، في فيلم “ثائر بلا قضية” يموت عبثاً أيضاً. ميتة رخيصة، لأن جيله السابق من “الكبار”، الغارقين في الحلم الأمريكي،أغفلوا الإحتياجات الإنسانية لشبابهم.. الداعي للتأمل هو أن جيمس دين مات في الحقيقة ميتة بخسة وراح في حادث سيارة نتيجة للسرعة الجنونية . كان بالفعل يحيا حياة اللاقضية واللاهدف. فضيلة ترجنيف التي قدمها من خلال روايته هي الإنتصار في جميع الأحوال للمباديء والأعراف الأخلاقية التي توصلت إليها الإنسانية عبر مسيرتها الحضارية.