لا أعتقد أن صحـــافة التابلويد ممكنة في العالم العربي، والسبب ان العرب يتوقفون امام الكلام المباشر والعبارات الواضحة، ويحاكمون النوايا ومالم يكتب، وقد يجبرون الاعلام او يضغطون عليه للاعتذار، بجانب انهم يرفضون الاثارة واللعب بالكلمات في عناوين الاخبار، وهناك دائماً ممنوعات لا يمكن تجاوزها الا بمباركة رسمية، و الثابت ان الصحافي العربي قابل للالغاء دون مقدمات، و تكسير مجاديفه وارد في أية لحظة.
قرأت في صحافة التابلويد البريطانية كثيراً، ولاحظت ان الفارق بينها وبين الصحافة الجادة، ليس ثابتاً او له قـــاعدة تحكمــه، وفي بعض الاحيـــان تتشارك المدرستان في الاهتمامات، هذا اذا تجاوزنا أن صحافة التابلويد، قابلة جداً، لان تقدم اسهاماً مهماً في السياسية، لانها وعلى طريقة الصحافة الجادة، تنقل ما يدور في الشارع، وتناقش الازمات والتطورات السياسية، وبلغة بسيطة لا تعقيد فيها، واذكر ان جريدة الاقتصادية في زمن محمد التونسي، اخذت جزئياً بمنهج التابلويد في عالم الاعمال وقضايا المجتمع، وحركت الساكن في الصحافة الجافة والرتيبة، واليوم يمارس التونسي أسلوباً مقارباً في محطة الاخبارية، والاخيرة تقدم اعلاماً يستحق الاحترام فعلاً. اعود الى الصحافة البريطانية، وتحديداً محاكمة بول باريل، باتلر الاميرة ديانا في اكتوبر 2002، اي بعد خمس سنوات على رحيلها، ونشرها لاخبار، نقلت عنه، تناولت العلاقات الخاصة للاميرة، وأموراً اخرى حساسة ترتبط بها، وهذه الموضوعات انتقدت بشدة، ووصفت أنها بضاعة فاسدة، في حرب التنافس بين صحف التابلويد لتحقيق ارقام توزيع مرتفعة، والمقصود اصرارها على نشر اخبار المشاهير السيئة، الاثارة والفضائح، خصوصاً عن العائلة المالكة البريطانية، ولعل الملفت ان الصحافة الجادة، وظفت طريقة التابلويد و تقنياته الكلاسيكية في قضية الباتلر، او ما يعرف بصحافة دفتر الشيكات، التسريبات والكذب والمبالغة.
القصة بدات في محكمة اولد بيلي، عندما اتهم الباتلر، بسرقة ثلاثمائة غرض خاص بالاميرة ديانا، وركزت استراتيجية الدفاع، على العلاقة الحميمة بين الطرفين، وذلك بعرض تفاصيل مثيرة عن حياة الاميرة، وقبل يوم واحد من وقوف باريل امام المحكمة، تم تاجيل القضية، وبعد ثلاثة ايام اوقفت جلسات

كانت أميرة للصحافة
قبل أن تكون
أميرة لويلز

المحاكمة، وامتنعت المحكمة عن تقديم مواجيز صحافية، وجاء التوضيح انه لايمكن الاستمرار في القضية، لان الملكة اخطرت المحكمة بانها تذكرت حواراً دار مع باريل، قال لها فيه، بانه سيحفظ بعض اشياء الاميرة في مكان آمن، والمسألة محسومة دستورياً، لو راعينا ان القانون ينفذ باسم الملكة وتحت مباركتها، او كما قال المؤرخ البريطاني بن بيلموت (2002).
هذا التدخــــل غيــر المتــوقع، اثار حمـــلة صحــافية واسعة في بريطانيا، وقالت تلميحات متكررة وغير مباشرة، أن سبب الايقـــاف، هو التغطيـــة على شريط فيديو، موجود في حيازة باريل، يصور حادثة غير نظيفة، وقعت في قصر ســـانت جايمس، و كتب سايمن هيــفر يوم 6 نوفمبر 2002، في مجلة سبكتيتر البريطانية، ان مافيا الشذوذ اوقفت سير العدالة في قضيــة باريل لحماية نفســـه، وقالت جــريدة ذي صاندي تايمز في عام 2002، إن قصر باكنغهام، تحول من بيت للملكية، الى حمام عمومي في سان فرانسيسكو، ولأجلها نشــر المكلف الملكي مايكل بيت، تقـــريراً في مــارس 2003، وتحديداً قبل حرب العـــراق بيـومين، يوضح فيه بعض الملابسات، ولاحاجة لان اقول بان التوقيت غير مناسب، ونشرت جريدة ذي تايمز في عنوان يوم 21 نوفمبر 2003، ان الفيس بريسلي وديانا اميرة ويلز قتلا الرئيس الامريكي جون كيندي، في إحالة إلى حالة البارانويا التي عانت منها الاميرة، و ايمانها بنظرية المؤامرة، وخططت ذي ميل اون صانـــدي، لإجراء مقــــابلة لمناقشة تفاصيل الشريط، ولكن مايكل فوسيت، حصل على حكم قضائي في 1 نوفمبر 2003، يمنع الجريدة من النشر، وقد حققــت مذكــرات باريل الحصرية، التي نشرها ستيف دينيس، على حلقـــات، في جريدة ذي ميرور، مليونين ومئة الف باوند للجريدة، واضافت مائتين وخمسين الف نسخة الى توزيعها، في اليوم الاول فقط، والمذكرات جمعها باريل في كتابه: واجب ملكي(2004) والثاني وضع في قائمة اكثر الكتب مبيعاً عند صدوره، وله مؤلفات اخرى عن الاميرة اخرها سيصدر في اغسطس 2007.
تفسير التغطية المكثفة لمحاكمة، بول باريل، لا ينفصل عن الاهتمام الكبير لرجل الشارع البريطاني بشخصية الاميرة الـــراحلة ديانا، واعتباره ضحية لصراع طبقي، تماماً كما كانت ديانا ضحية للعائلة المالكة البريطانية في نظره، وحسب روزاليند كاورد في كتابها: ديانا(2005) فقد كانت اخبار الاميرة، في الثمانينات وحتى وفاتها في نهاية التسعينـات، مادة خصبــــة لاثارة التابلويد، والوجه الإنساني، و أول عضو في العائلة المالكة البريطانية، يسحر الاعلام ويعقد صداقات معه. لدرجة ان ريتشارد كاي، مراســل العائلة المالكة، في جريدة ذي ديلي ميرور، طلب من باريل ان يكون الاب الروحي لابنه، واضيف من عندي، إن صحافة الباباراتزي قتلتها في باريس، وبعد رحيلها، صارت اخبار ابنائها ومؤسستها للاعمال الانسانية، بديلاً صحافياً لرفع ارقام توزيع التابلويد.
ايضاً كانت ديانا، طرفاً في طلاق ملكي، سلط الاضواء على امور مخفية في سلوك العائلة الملكية البريطانية. وقال البروفسور روي غرينسلادي، استاذ الصحافة في جامعة سيتي البريطانية، في مقابلة مع جريدة الغارديان يوم 23 نوفمبر 2003، ان اهتمام الصحافة المركز، جعلها اميرة لارقام التوزيع قبل ان تكون اميرة لويلز، وعن اجواء المحاكــمة، اشــــار مارك بولند، السكرتير السابق للامير تشارلز، في مقابلة اجرتها معه ماري ريدل عام 2004، إلى أنه بدأ من عام 2002، حملة اعلامية، لرفع شعبية الامير، وتحقيق قبول بين البريطانيين لشخصية كاميلا باركر، على حساب الأعضاء الآخرين، بمن فيهم الاموات، ما يبرر انحياز الصحافة لموقف اتهام باريل في بداية المحاكمة ثم تراجعها، و بولند تربطه علاقة مميزة بـ«غاي بلاك»، رئيس لجنة شكاوى الصحافة، والثانية تنظم وتضبط العمل الصحافي في بريطانيا، والصحافيون كانوا مستائين من العلاقة بين الاثنين، و اورد نيل بلين و هيو اودونل في كتابهما: الاعلام والملكية والسلطة(2003) أن هناك ادلة حقيقية، على وجود مشاكل بين رجال الامير تشـــارلز وصحـــافة التابلويد البريطانية، والدليـــل المتـوفر في يدي، نشرها ان المساعد الخاص للامير تشارلز، مايكل فوسيت، استفاد من بيع الهدايا التي لا يرغب فيها الامير.
بقي أن أقول إن تجاوزات الصحافة البريطانية، رغم نجـاحاتها المحدودة، تظهر ان الصحافة المسؤولة، ليست مرضاً خبيثاً، مثلما يروج بعض الصحافيين العرب.
binsaudb@ yahoo.com