لايتفاءل أهالي دارفور بـ«الكتاحة» والهبوب التي ضربت الخرطوم لمدة اربع ساعات وشلت الحياة العامة وهبطت بمعدل الرؤية الى الصفر تفاؤل كل السودانيين الذين يرون فيها قدوم الخريف السمح كما يقولون. فالاوضاع على الأرض بالرغم من مرور عام على توقيع اتفاقية ابوجا مازالت محبطة، فيما تعصر الضغوط الدولية مفاصل السياسيين وتتكالب عليهم قوى المعارضة ما بين مستفيد ومتآمر.. أما قرارات المحكمة الجنائية الدولية فقد اربكت وزير الدولة في وزارة الداخلية سابقا أحمد هارون فرفض التصريح رغم محاولاتي المتكررة معه، فيما تهربت الدكتورة رحاب مبارك خبيرة القانون الدولي بحجة استئذان وزارة العدل ولم ترد جوابا اما الدكتور المرضي وزير العدل فقد خرجت اجاباته وكأنه يسير على اشواك.
سألت منى اركو مناوي متمرد الأمس وكبير مساعدي رئيس الجمهورية ورئيس السلطة الانتقالية بدارفور اليوم هل حصلت جرائم حرب فعلا..؟ فقال نعم حصلت وهناك أخطاء كثيرة وعندما تجوب سماء دارفور اليوم ستجد في ساعة واحدة ان هناك اكثر من 300 قرية محروقة ولكن السؤال الأكبر.. من الذي فعل ذلك؟!!.
دفع الله الحاج يوسف الذي ترأس لجنة تقصي الحقائق في العام 2004 حول انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بواسطة المجموعات المسلحة في ولايات دارفور قال ان الحديث عن مقابر جماعية ادعاء غير صحيح الا انه شاهد بعض القرى المحروقة.. وبزيارة مقابر كايلك شاهدت اللجنة خمسين قبرا لقتلى من الشرطة والمواطنين رجالا واطفالا وخلصت الى ان ثمة احداثا دامية وقعت وادت الى تمكن المجموعات العربية من قطع الطريق على المواطنين الفارين من مناطق الاحداث.. لكن اللجنة التي عادت للتحقيق في ما نسب من قبل لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة استخدمت افاداتها ونتائج تحقيقاتها السابقة في تشكيل جزء من صورة الاتهام الحالي والتي تطالب بتسليم كل من وزير الدولة بوزارة الداخلية سابقا احمد هارون الذي كان يدير مكتب دارفور الأمني وعلي محمد علي عبدالرحمن المعروف بإسم «علي كوشيب» والاخير سارعت الحكومة السودانية في خطوة ذكية بإستباق عرضه على القضاء ومازالت الجلسات مستمرة الامر الذي سيقطع الطريق امام المحكمة الجنائية الدولية ان صدر عليه حكم من قبل القضاء المحلي السوداني اذ لايجيز القانون الدولي جمع عقوبتين لجريمة واحدة.
أحمد هارون
احمد هارون قال أمام لجنة التحقيق الوطنية انه كان يصعب التمييز بين المتمردين المدنيين ومازال ملفه مفتوحا ضمن عدد من الخيارات لكنها لن تطوى كصفقة بالرغم من قبول السودان الحزمة الثالثة من الدعم الأمني للقوات الافريقية بدارفور.
وقد تشكل اكبر تطور سياسي للنزاع الحالي في دارفور من خلال تكتل المجموعات القبلية العربية في كيان واحد بإسم «التجمع العربي» في مقابل قبائل الزرق من القبائل الافريقية غير العربية وعلى رأسهم (الغور والمساليت والزغاوة).. وهكذا فالقبائل التشادية المجاورة انقسمت مدعية النسب العربي فساندت عرب دارفور أما غير العربية فوضعت يدها مع الزرق.. ومن هذه الخاصية جاء الخطر وحدثت الاختراقات فمعظم المعارضين التشاديين دخلوا السودان للحماية والاستنصار بأقاربهم والقوات التشادية اعتادت اختراق الحدود لمطاردة المعارضين داخل السودان فكان انتشار السلاح والنهب المسلح، واصبحت هذه اللغة هي التي تدار بها المشكلات ويعبر عنها كل طرف حسب قوته.
الكاتب الصحفي صديق مضوي اكد من خلال دراساته المتعمقة للحدود السودانية التشادية أن معظم اسلحة الجريمة المنظمة جاءت عن طريق تشاد واريتيريا فيما دخلت اسلحة التمرد عن طريق منظمات الاغاثة الغربية والاستيراد عن طريق موانيء افريقية كميناء ممباسا ثم تهريبها الى داخل السودان مستغلين ضعف البيئة الأمنية في المناطق الحدودية.
وفي ظل هذا التشكل الخطير اصبح الانسان هو الضحية اليومية لمعظم احداث الاقتتال القبلي الذي انطلقت بالتوازي معه مؤتمرات الصلح منذ العام 1987م فأصبح السودان يتصدر دول النزوح الداخلي فمن بين كل تسعة سودانيين هناك نازح في الداخل.
التمرد داخل المعسكرات
وفي دارفور بولاياتها الثلاث (الفاشر، نيالا، والجنينة) تتمدد معسكرات النازحين داخل وخارج المدن الرئيسية لكنها تشكّل أكبر المآزق التي تواجه رئيس السلطة الانتقالية بسبب تسييسها وموالاتها لخصمه العنيد ورئيسه السابق عبدالواحد محمد نور وهناك معسكرات لايستطيع الوالي دخولها فضلا عن وجود قوات غير مسلحة بين السكان النازحين ويمكن لهم ان يوقدوا فتيل الانفجار في اية لحظة.
ويجمع كل السودانيين على ان كل المشاريع الاممية والحزم الثلاث وتهديدات المحكمة الجنائية هي «عرضة خارج الزفة» اذ ان الخطوط واضحة المعالم فلا سلام الا عبر بوابة التفاوض مع رافضي «ابوجا» ولاعودة للنازحين واغلاق هذه المعسكرات الا بمشاريع التنمية على الأرض، اما الشعارات والمؤتمرات والاجتماعات التي تشبه الخبز اليومي للسياسيين السودانيين فهي حبر على ورق.
دارفور التي رأيتها الحي فيها ابقى من الميت.. لكن شظف العيش وقلة الموارد وتدني الخدمات الاجتماعية وضعف البيئة التحتية لاتأتي بالمصائب فرادى فحسب.. بل أصبح ظهور النزاع والصراعات بين افراد وبطون وقبائل وعشائر المنطقة امرا يوميا.
هناك يزداد تنامي شعور التنفيس عن الغضب والذين يعتقدون ان الأمن يمكن ان يبسط واحاته قبل التنمية لايفهمون واقع السودان ولا طبيعة الوضع الخاص لدارفور.
وبالرغم من حالة التفاؤل التي تسود الإقليم هذه الايام بعد اتفاق الجنادرية بين الرئيسين السوداني والتشادي وهو الاتفاق الذي وصفه صاحب جريدة الانتباهه الطيب مصطفى بأنه اشبه بالحلم لان المملكة العربية السعودية دخلت على خط الأزمة كاللاعب الذي يستنجد به في الوقت الضائع فيحقق هدف الفوز وهو الأمر الذي اثار غيرة من ظلوا يلعبون في القضية اكثر من تسعين دقيقة دون نتيجة بالرغم من هذا التفاؤل الا ان تغييب الحركات المتخندقة الرافضة لاتفاق ابوجا سيبقى الامور معلقة وان كان مناوي يرى انها غير مؤثرة ولاتشكل أكثر من 10% الا ان الواقع يقول انها ستظل عقبة في سبيل الحل وان أي تأخير من قبل الحكومة في معالجة موقفهم سيدفعهم نحو التوحد وهو الامر الذي يرى مناوي انه مستحيل ان يحدث على الأرض حاليا.
«يا خواجة»
دارفور التي عرفت على مدى التاريخ بأرض القرآن ولايوجد على ارضها مسيحي واحد من ابنائها تشهد اليوم انتشار الدعارة المقننة وظهور الفتيات بسلاسل الصليب والتكرار الملفت للانتباه لكلمة «ياخواجة» بين جميع ابناء المعسكرات من صغار السن حين مشاهدتهم لاي زائر أبيض لانه الوحيد الذي جاءهم مساندا في وقت الشدة فيما تناساهم العرب الذين لايشكلون سوى 1% من نسبة زوار جميع المعسكرات حيث تصل نسبة زيارة الشخصيات الغربية لها 99% فقط.
نصيحة الترابي
قال لي د. حسن الترابي رئيس حزب المؤتمر الشعبي: اذهب بلباسك السعودي فسيكون له وقع وأثر عليهم لانهم لم يشاهدوا العرب منذ نكبتهم فيما وصف نهاد مدير مكتب مناوي وأحد قادة حركة تحرير السودان زيارتي بالمفاجأة السارة.. اما السيد الصادق المهدي فكان واقعيا وهو يقول:
ان تأتي متأخرا خير من أن لاتأتي أبدا أحيانا.
حقائق جديدة
هكذا هي الصورة كما شاهدتها للوهلة الاولى لكن والي شمال دارفور عثمان كبر له رأي آخر.
فقد وصف اتفاقية سلام دارفور بأنها حقيقة واقعة على الارض وانعكست ايجابا على كثير من الاوضاع من منطلق قربه من صناعة القرار ومتابعته اللصيقة للاحداث.
فمن الناحية الأمنية انخفضت نسبة الحوادث على الطرقات وتوقف الهجوم على المدن الا نادرا وكذلك انخفضت كل صور القتال الذي كان يدور قبل اتفاقية ابوجا.
واوضح كبر أن احصاء أمنيا اجرته الولاية بشأن أكبر شن جرائم شهدتها حرب دارفور اظهر بأنها: الاغتصاب والقتل العمد والحرابة والنهب المسلح وسرقة السيارات والإتلاف وتم الرجوع في الاحصاءات التي تمت الى النيابة والشرطة والمحاكم الشرعية فوجد ان نسبة التحسن كبيرة، اذ كانت جملة هذه الجرائم عام 2003 أقل من ألفي جريمة ولكنها قفزت عام 2004 الى أكثر من ثلاثة الاف واربعمائة جريمة ثم عادت وانخفضت عام 2005 الى اقل من الفين وخمسمائة جريمة وواصلت عام 2006 الانخفاض لتصبح 658 جريمة وهذا حدث بعد التوقيع مباشرة ومن ثم فإن الوقائع على الارض تهزم كل من يقول ان الاتفاقية لم تقدم جديدا لأهالي دارفور متحديا من يقول ان الاوضاع سيئة ان يأتي بمصادره أمام الرأي العام.
الوالي كبر الذي يشرف على محليات ام كدادة والعيط والفاشر ودار السلام وكثم والكبكابية التابعة لولاية شمال دارفور اكد ان كل الطرق المؤدية لهذه المحليات أصبحت سالكة وآمنة ولكن هذا لايعني عدم وجود حوادث متفرقة واختراقات لكنها بالمنظور المخيف غير موجودة وانما في شكل حوادث فردية بحتة.
قلب الحقائق
واشار كبر الى موضوع خطير يتعلق بالمنظمات الغربية التي تدير عمل المعسكرات ووصفها بالمسيّسة وان الكثير من الصور والتقارير التي ينشرها الاعلام الغربي توظف بشكل سيىء دون فهم مضامينها ومن مثل ذلك هو ان تنشر بعض المنظمات صورا جماعية لبعض قطاع الطرق والمفسدين في الارض ممن يعيثون فسادا في كل الطرقات المؤدية للقرى وقد نفذ حكم الله فيهم بقطع ايديهم وارجلهم من خلاف على انهم من ضحايا العنف وقس على ذلك الكثير.
ويبقى العامل السياسي المتجسد في اتهام المساليت للحكومات الولائية بتمكين القبائل العربية من انتهاج سياسة تنحية وازالة المساليت من ارضهم وسلطتهم لاحلال القبائل العربية محلهم هو الدافع لدى المساليت لخوض المعارك مع العرب الذين ينظرون للمساليت على انهم متسلطون ومهيمنون من خلال مفهوم الحكر القبلي للارض السائد بدارفور ومطالبتهم بتطبيق حق المواطنة بعدالة كاملة وهذا الواقع كان ومازال يؤجج الصراع القبلي في دارفور ومن ثم فإن التنمية هي العلاج الحقيقي لهذا الصراع والماء البارد الذي يمكن ان يطفىء هذه النار المستعرة.