ينفي قادة البيت الأبيض وجود حرب طائفية أو أهلية في العراق, ويتكرر هذا الادعاء من الحكومة العراقية، ويدعمهما إعلام مقروء ومرئي واسع في العالم العربي والغربي يؤكد على عدم وصول الأمور في العراق لما يمكن وصفه بالحرب الأهلية! ويسعون، من خلال الزيارات الدبلوماسية والمؤتمرات، للإيحاء بغير ذلك تصريحاً وتلميحاً كزيارة ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي للعراق والمنطقة, أو كما تحاول أن تعبر عنه بعض المؤتمرات المعنية بالعراق داخلياً وإقليمياً ودولياً.
لا يستطيع العقلاء في العالم الاقتناع بهذا الادعاء وهم يرون بأعينهم عدد القتلى الكبير يومياً، الذين يتساقطون في شوارع المدن والقرى العراقية من دون استثناء لأتباع طائفة ما أو مذهب ما، وتشترك أغلب الفصائل، بشكل مباشر أو غير مباشر بالسكوت أو المهادنة، في سفك الدم العراقي بدم بارد دون رادع من دين سماوي أو قيم إنسانية وحضارية، ودون مراعاة للروابط التاريخية والاجتماعية التي سادت الناس في بلاد الرافدين طوال التاريخ.
لا يستطيع العقلاء أن يُصدقوا ذلك الزعم وهم يشاهدون خريطة وتركيبة العراق السياسية والاجتماعية تتغير كل يوم منذ أربع

ربما ما كان مرفوضاً لمعالجة التأزم العراقي أصبح مقبولاً لتلاقي الطوائف

سنوات نحو المزيد من الانغماس في أتون الطائفية على المستويات المختلفة شعبياً ونخبوياً، سواءً في هيكلية الدولة وبناء الوزارات، أو في الدستور العراقي الجديد، أو في نظام ووظائف البرلمان. وقد وصل الأمر إلى المستوى الأمني من حيث توزيع المسؤوليات الأمنية في جميع المحافظات. وباتت خريطة العراق السياسية والاجتماعية تتأسس ثم تعكس الواقع الطائفي أكثر مما تتعرض أو تتأسس على المصالح الوطنية والمواطنة المدنية. فلا يستطيع العقلاء أن يؤمنوا بتلك الدعوى وهم يتابعون كيف تتشكل لكل طائفة في العراق رموزها الدينية والسياسية ممن يتقمصون دور الدفاع عن طوائفهم والمطالبة بحقوقهم وحماية مستقبلهم. بالإضافة إلى نجاح كل طائفة في تأسيس إعلامها المقروء والمرئي الخاص بها كي يعبر عن أفكارها ويكرس سياساتها، بل وتنحو بعضها إلى طرح طائفي متطرف بلا مراعاة لمشاعر ومقدسات ورموز الطوائف الأخرى...
لا يؤيد العقلاء ذلك الادعاء وهم قلما يجدون الأطر السياسية من أحزاب ومنظمات تتشكل على قاعدة الوطن والمواطنة, بل تنبني على قواعد طائفية صارخة، وتقيم تحالفاتها الداخلية والخارجية وفق ما يخدم توجهاتها الطائفية أولاً وأخيراً،إلا ما شذ وندر... حتى أمست مواقف هذه الأطر تنبني على مقدار استفادة كل طائفة من هذا الموقف أو ذاك، مثلما يحصل في الأمور المختلف عليها عراقياً كالفدرالية وقانون توزيع الثروة النفطية والدستور. فلا تكاد عملية شد الحبل الطائفي بين ساسة العراق أن تتوقف عبر الاتهامات والتهديدات المتبادلة إلا وتبدأ من جديد!
يبدو أن ما كان مرفوضاً في سياق معالجة التأزم العراقي في ما سبق، سيكون اليوم، ربما، مقبولاً بصيغة أو بأخرى، على أساس تلاقي الطوائف العراقية وتوافقها عبر نظام المحاصصة الطائفية، ولو كان ذلك لضرورة المرحلة الراهنة فقط، رغم الخشية من تحول هذه المعالجة إلى مولدة لتوترات طائفية مستقبيلة، ولكنها الطريق الضروري لإيقاف النزف اليومي من شوارع العراق وأزقته... ولكن إذا كانت مقدمة الواجب واجباً، منطقاً وعقلاً, فإن مقدمة التصالح بين طوائف العراق تكمن في تبني كل القوى العراقية إستراتيجية صناعة الأجواء الايجابية إعلامياً واجتماعياً وثقافياً كي يتهيأ عموم الشارع العراقي وتصبح القوى الطائفية أكثر نضجاً للتصالح الداخلي فيما بينها والمصالحة الوطنية. والله من وراء القصد.
ص.ب 2421 الدمام 31451 - kshabib@hotmail.com