نشرت صحيفة عكاظ قبل نحو أسبوع خبرا عن رفض مجلس الشورى توصية بإنشاء مطار في مكة المكرمة، كان الخبر مقتضبا فلم يتسن لي معرفة حيثيات الرفض سوى ما ذكر في نهايته أنه لقرب المسافة بين مكة وجدة التي بها مطار «دولي». تساءلت بداية عن الكيفية التي تقدم بها المقترحات وآلية إتخاذ القرار حولها. أما الكيفية فلا تبدو الآن مهمة، فقد قرأت أن عضوا فاضلا في المجلس الموقر تقدم بتوصية ونجح في طرحها للنقاش، إلا أنها سقطت عند التصويت عليها بفارق خمسة أصوات، والذي فهمته من الخبر أن التوصية تحتاج 76 صوتا ليتم إدراجها فيما يرفع إلى المقام السامي. من هنا جاء تساؤلي الثاني عن الآلية التي يتم بها قرار الرفع، ربما تكون الآلية موجودة في النظام الداخلي للمجلس ولم أطلع عليها وهذا تقصير مني، إلا أن هذا لا يمنع مناقشتها، ولا شك عندي أن صدر شيخنا وإمامنا الدكتور الحميد متسع لكل نقاش. بداية أقول بكل صدق إن المهام العظيمة التي يقوم بها مجلس شورانا الموقر في مناقشة مشاريع القوانين المطورة لإداراتنا وإصلاحها وتخليصها من الفساد والعبث بالمال العام، هي ما يشغل بال المواطنين ويجعلهم يتطلعون لمزيد من هذه الانجازات التي تسجل بماء الذهب لمجلسنا الموقر في الشأن العام، وكنت وما زلت أتابع هذه الانجازات وأفتخر بها من قبل رجال هم من أفضل ما في بلادي. بيد أن كل هذا التقدير والتوقير لا يمنع كما قلت سابقا من مناقشة بعض مناقشات المجلس الموقر.

مجلس الشورى ليس مركز بحوث بل مهمته إجازة المقترحات المدروسة ومشروعات الأنظمة والقوانين

أسأل كمثال: هل التصويت خطوة أولى أم نهائية في مناقشة المقترحات، ثم كيف تكون توصية قبل نقاش، وكيف يتم رفض قبل دراسة، هل بين لجان المجلس الموقر لجنة خاصة باحتياجات المدن من الخدمات، هل هناك لجنة لتخطيط المدن أو تخطيط شأنها الاقتصادي، هل عرض موضوع إنشاء مطار بمكة على مختصين مهنيا وعمل له دراسة جدوى اقتصادية، هل كان من الاجدى تحويله إلى جهة متخصصة توافينا بأرقام وإحصاءات تدعم أو تدحض الفكرة. أم أن النقاش كان حرا وعاما عن فكرة إنشاء مطار بمكة، وتصويتا انطباعيا بحيث راق لواحد وسبعين عضوا ولم يستمزجه الباقون؟ وقبل أن أنتهى إلى الدفع، باستخدام لغة القانونيين والمشرعين هنا، بعدم إختصاص مجلس الشورى الموقر في تقرير مدى احتياج أية مدينة في المملكة لمطار خاص بها، فهذه خدمة عامة تقدمها أجهزة الدولة التنفيذية بناء على احتياجات ترفع إليها، هذه الاحتياجات تبنى على أساس دراسات جدوى وبناء على احتياجات فعلية يعدها مختصون ميدانيا قبل رفعها للوزارة المختصة ومن ثم لمجلس الوزراء لاعتماد المخصص المالي لها. والخدمة العامة، كما هو معروف، تقترحها وتنفذها هيئة حكومية وللمجلس حق المساءلة سواء في اقتراح الخدمة أو في سبل أو عوائق تنفيذها، ولكن ليس في التوصية بها أو رفضها. وفي مسألة المطار المقترح أو التوصية أو النقاش، هل إستدعى المجلس مسؤولاً بلديا من مدينة مكة المكرمة، أو مسؤولا في الطيران المدني، هل سأل رأي وزارة الحج مثلا، هل سأل إمارة المنطقة، هل أخذ علما بحالة ووضعية مطار جدة الدولي قبل وأثناء الحج والعمرة التي فتحت طوال العام، هل أحيط بما يعانيه سكان مكة عند رغبتهم السفر سواء داخليا أم خارجيا، هل لديه إحصاءات باستخدامات الخط السريع بين مكة وجدة وحجم الضغط والحوادث فيه؟ الإشكال الآخر الذي واجهني أن سبب الرفض هو قرب المسافة بين مكة وجدة، وهذه لن اناقشها داخليا لأنني سأدخل في متاهة ضرب الأمثلة لبعض مدن المملكة المتقاربة والتي بها مطارات داخلية أو دولية، ومدى تراتبية وأهمية المدن، برغم اعتماد ذلك دوليا، يعفيني عن ذلك أن مكة، حرسها الله، مهمة عند كل مسلم وغير مسلم، ما أود قوله هنا أن مدنا عالمية عدة تقل الحركة الجوية فيها كثيرا عن حركة القدوم والمغادرة إلى مكة المكرمة، ومع ذلك نجد بها مطارين وربما ثلاثة، يستطيع هنا خبراء تخطيط المدن افتاءنا في الموضوع. ومن قبل ومن بعد فلا شك أن للمجلس الحق في نظر أية قضية تهم المواطنين وأن يقترح أعضاؤه ما يرون حيالها، لكن سؤالي ما زال عن مدى العمومية في هذه القضية أو تلك، فإنشاء مطار أو مناقشة قضية العنوسة مثلا أو غلاء المهور، تعتبر قضايا تهم فئة من السكان وليس لها صفة العموم هنا، بل حتى نقاشات المجلس لظواهر مهمة كالبطالة وتحديد الأجور، وهي تهم قطاعات أكبر من السكان، فإن دور المجلس هو مساءلة المسؤول عن عدم نجاح سياسته وأسباب ذلك فالمجلس ليس مركزا لإجراء البحوث، هو مجلس لإجازة ما تمت دراسته من مقترحات تنظيمية أو مشاريع نظم وقوانين ومساءلة منفذيها.