المزبلة التي أعنيها هي مزبلة التاريخ الشهيرة التي يقذف فيها كل سفاح أو فاسد أو مجرم في حق الإنسانية، فالتاريخ لا يرحم ولا يعامل أي إنسان بحسب ما يشتهي لنفسه حتى لو أنفق أموال قارون على تلميع نفسه في حياته أو لمّعه ورثته ومحبوه بعد مماته، وحتى إن انطلت على الناس بعض الأكاذيب في ما يخص بعض الشخصيات التاريخية لحين، إلا أن ذلك لا يطول وما يلبث التاريخ أن يكشف عن حقيقتهم حتى بعد قرون ليقذف بهم للمزبلة بعد أن كانوا يوماً ما بمصاف الملائكة في نظر الناس، فللتاريخ ميزان عادل لا يميل ولا يحيد ولا ترجح إحدى كفتيه على الأخرى ضد أحد أو لصالحه إلا بما تحتويه من أفعال و أقوال قد تصب في مصلحة صاحبها أو تؤذيه. ومنذ أن انكشفت أكاذيب المحافظين الجدد الذين تسلطوا على رقاب البلاد والعباد بحكم موقعهم السلطوي في أقوى دولة في العالم والمزبلة تتلقى أعداداً جديدة منهم كل يوم، فمن بيرل إلى فيث إلى رامسفيلد فبولتون وغيرهم كثيرون من أركان إدارة الكذب والتسلط إلى آخرين من رجال الصف الثاني والثالث تسللوا من مواقعهم تسلل اللصوص بعد ارتكاب جرائمهم. ولكن أحدث ضيوف المزبلة هما الضيفان اللذان وقفا على بوابتها هذا الشهر ولا يفصل بين موعد وصولهما سوى أسبوع واحد. وهذان الضيفان مثال صارخ لعدالة التاريخ وأنه لا يستثني أحداً مهما عظم قدره من الحساب والعقاب، فالضيف الأول هو رئيس وزراء بريطانيا توني بلير الذي وقف يوم الخميس العاشر من مايو الحالي أمام نفر

فاسد يرجو البقاء
في منصبه لتطبيق برنامجه «الإصلاحي»

قليل من أنصاره وأقاربه في قاعة بسيطة ليعلن استقالته التي ستدخل حيز التنفيذ في السابع والعشرين من الشهر القادم. ورغم النجاحات الاقتصادية التي حققها بلير خلال فترة ترؤسه لحزب العمل ومجلس الوزراء التي امتدت لأكثر من عشرة أعوام بقليل قد يتصور البعض أن الحرب على العراق وما رافق تبريراتها من كذب وخداع وتزوير للمعلومات الاستخبارية هي السبب الوحيد الذي يكمن خلف هذه الاستقالة. نعم هي سبب رئيسي ظاهر ولكنه ليس بالوحيد فهناك أسباب أخرى قد لا تكون مفهومة في دول العالم الثالث ولكنها على قدر كبير من الأهمية في المجتمعات الديمقراطية الغربية، فالرجل خسر ثقة الشعب البريطاني والحزب الذي يرأسه حتى أصبح عبئاً ثقيلاً على حزبه لدرجة تجاهل الحزب الإشارة إليه أو نشر صورته في كافة مطبوعات ومطويات الحملات الانتخابية على المستويين المحلي والأوروبي سنة 2004م، ولا ينسى له البريطانيون تحريك الدبابات باتجاه مطار هيثرو عشية مسيرة المليون المناوئة للحرب، ولا ينسون له الاجراءات الأمنية الاستثنائية التي ضيقت حياتهم أثناء زيارة بوش لبلادهم، كما لا ينسون له تسببه في تشويه سمعة بلادهم وتخريب علاقاتهم مع العالم الإسلامي واستفزاز الجماعات الإرهابية للانتقام من بريطانيا بتفجير شبكة قطارات الأنفاق والعمل على تدبير هجمات إرهابية أخرى، وكل هذا يهون أمام الشعور الوطني العام بالمهانة بسبب السمعة البائسة لرئيس الوزراء المستقيل كتابع أمين للرئيس بوش وهو الذي يقف على رأس شعب تعود على أن يقود لا ينقاد عبر تاريخه الطويل. أما الضيف الآخر فهو بول ولفويتز رئيس البنك الدولي الذي أعلن يوم الخميس 17 مايو 2007م الماضي موافقته على الاستقالة من منصبه كرئيس للبنك الدولي اعتباراً من يوم 30 يونيو القادم على إثر فضيحة فساد تمثلت في محاباته لعشيقته وترقيتها ورفع مرتبها بشكل كبير دون الرجوع إلى اللجنة الأخلاقية للبنك أو حتى لمجلس إدارته حسب الأنظمة والتعليمات المرعية في مثل هذه الحالات. وولفويتز هذا ورقة محروقة منذ أمد طويل، وذلك منذ أن كان نائباً لرامسفيلد في وزارة الدفاع ومشرفاً على فريق التزوير الذي عرف باسم (الفريق الإسرائيلي) والمكون من فيث وبيرل. ولأنه ومجموعته من اليهود من أذكى الناس وأكثرهم حذراً ودقة في تقييم الأمور فقد هرّب ولفويتز أعوانه قبله من الوزارة إلى القطاع الخاص قبل أن ينفذ بجلده ويتسلل من الباب الخلفي للبنك الدولي ليتمكن من فرض إرادته على دول العالم الثالث من خلال المؤسسة الدولية ويحقق بالمال ما لم يتمكن من تحقيقه بالقوة العسكرية. والغريب أن هذا الرجل الفاسد كان يرفع شعار مكافحة الفساد في العالم الثالث ولا يشعر بفساد نفسه إلى درجة أنه وجّه نداء لمجلس إدارة البنك الدولي بعد تفجر فضيحته وتأكد مغادرته يرجوهم من خلاله أن يبقوه في منصبه حتى يتمكن من تطبيق برنامجه الإصلاحي، فيا سبحان الله فاسد في نفسه يريد أن يطبق برنامجاً إصلاحياً على غيره. بقي أن نعرف أن كل فساد على وجه الأرض يندر ألا يكون منه لبعض المجتمعات العربية نصيب، ويكفي أن تقرؤوا اسم عشيقة ولفويتز كاملاً وتعرفوا أين ولدت وأين نشأت قبل أن تصبح محظية لهذا الفاسد لتعرفوا أننا مجتمعات بحاجة للكثير من مساحيق التنظيف.
altawati@yahoo.com