صواب يحتمل الخطأ.. وخطأ يحتمل الصواب
نبدو أحياناً كالذي ( يلف ويدور ) ثم يعود إلى المربع الأول. قد تتعدد الآراء، ووجهات النظر قد تختلف، وليس في ذلك عيب على الإطلاق بل هي ظاهرة صحية. ولكن المشكلة تكمن في أننا ننسى كثيراً تحديد الهدف النهائي أو الموقف الأمثل الذي نرغب التوصل إليه، لذلك قد تبقى اختلافات وجهات النظر قائمة على الدوام دون الوصول إلى نتيجة مرضية. بينما إذا اتفقنا منذ البداية على الموقف النموذجي الذي نرغب الوصول إليه أو نقطة الكمال التي نتمنى أن نقترب منها، يصبح الاختلاف والاهتمام منصباً حينئذ فقط على الوسائل. لا أحد منا يمتلك الحقيقة، وربما لاتوجد حقيقة مطلقة من الأساس. فكل ما نبحثه ونناقشه وندور حوله سيظل دائماً ضمن دائرة الفكر وإبداء الرأي ووجهات النظر الخاصة التي قد تكون في بعض الأحيان مستندة على التجربة الشخصية أو الملاحظة والتحليل، أو على نظريات أكاديمية أو علمية قابلة للجدل والتمحيص.
ولذا يجب أن نتذكر أننا لسنا دائماً مصيبين في كل ما نطرحه، ولابد لنا من الإنصات إلى وجهات النظر الأخرى، إن لم يكن بغرض التعلم منها فعلى الأقل بغرض الاستماع.
لننظر مثلاً إلى قضية التعليم الجامعي، وهي قضية الساعة وكل ساعة. لايزال هناك من يخاف على مجتمعنا من أن يفقد

ليس عيباً أن يضم كل
مجتمع فئات من أبنائه أكثر
علماً وتفوقاً ونبوغاً

هويته أو يقع تحت هيمنة الثقافات الأخرى إذا ما تركنا أبناءنا يدرسون في جامعات أجنبية أو سمحنا للجامعات العالمية بافتتاح فروع لها في بلادنا، حتى وإن كان ذلك بالمشاركة والارتباط مع جامعات حكومية أو أهلية ! هذه وجهة نظر أو رأي شخصي لبعض المثقفين في مجتمعنا، ولابد من احترامها ومحاولة فهم مبرراتها. ولكن على أصحاب وجهة النظر تلك أن يستمعوا أيضاً إلى المحاجة المعاكسة والرأي المخالف ووجهة النظر المضادة، وأن يحترموها ويتفهموا مقاصدها.
وجهة النظر المضادة تقول إن العلم لاوطن له، وإن المعرفة والتعليم هما حق مقدس لجميع أفراد البشرية، وإن الحضارات الإنسانية لم تقم وتتطور بمعزل عن بعضها البعض، بل أخذت وأعطت وتطورت في ديناميكية مثيرة ومسلسل رائع متصل من مكان إلى مكان ومن مجتمع إلى مجتمع ومن عصر إلى عصر.
ومع تطور التعليم وشدة الإقبال عليه، ظهرت هناك في المجتمعات والدول مؤسسات تعليمية عصرية نشطة ومتفوقة في أدائها وفلسفتها وامكانياتها المادية والعلمية، فاجتذبت أفضل المدرسين وأغدقت عليهم وأنشأت أحدث المرافق والوسائل التعليمية، وبالتالي اجتذبت أيضاً المجدّين من أبناء المجتمع، أو من أظهر نبوغاً في فكره وتفوقاً في دراسته، ولديه الاستعداد لتحمل مصاريف الدراسة الباهظة في تلك المؤسسات التعليمية المتميزة. لذلك أصبح التعليم الجيد (للأسف) مكلفاً بالفعل، ومؤسسات التعليم العالي المتميزة مكلفة في تأسيسها وفي الدراسة بها.
هذه حقيقة واقعة، وأقول للأسف، ولكنه أمر لابد أن نتقبله. ومن هنا جاءت المِنح الدراسية في هذه المؤسسات المكلفة للطلبة المتفوقين والمجدين، سواء كانت تلك المنح تقدم من قبل المؤسسة التعليمية نفسها، أو من قبل الحكومات أو الشركات الكبرى، أو من المهتمين بالعلم والتعليم من رجال الأعمال الخيّرين.
ليس عيباً على الإطلاق، ولا خللاً، أن يكون هناك في المجتمعات مجموعة من أبنائه أكثر علماً وتفوقاً، ومجموعة أكثر نبوغاً، ومجموعة أكثر نشاطاً علمياً وثقافة، كما أنه ليس من العيب أن يكون في المجتمع طبقة أكثر ثراء. بل هكذا يجب أن تكون المجتمعات النشطة، وهكذا هي في حقيقتها وواقعها. لايوجد مجتمع يتكون من طبقة اجتماعية واحدة، أو مستوى فكري وثقافي واحد، أو مستوى علمي واحد أو درجة ذكاء واحدة، حتى في (يوتوبيا) نفسها. فلا بأس إذاً من افتتاح فروع لجامعات عالمية مشهورة ومتميزة في بلادنا، ولاخوف على أبنائنا جراء دراستهم في تلك الفروع، ولن يحدث الانفصام الذي يخشاه البعض في مجتمعنا بسبب ذلك. بل على العكس، سيصب كل هذا في صالح مستقبل الوطن والمجتمع والمواطن.
هكذا يقول الرأي المخالف ويجب أن نستمع إليه بعيداً عن التشنج، فمصلحة الوطن واحدة وهي الهدف أولاً وأخيراً.