قبل انعقاد الحوار الوطني حول التعليم توجهت إلى المشاركين ببعض المقترحات أملت حينها أن تدرج ضمن التوصيات وكان من بينها اقتراح المطالبة بالسماح للجامعات العالمية بافتتاح فروع لها داخل المملكة.. ولم يكن هذا الاقتراح خاصاً بي إذ أنه طُرح أكثر من مرة عبر الوسائل المختلفة.. وقد كان هذا الموضوع هو عنوان مقالة للدكتورة الفاضلة عزيزة المانع إلا أنها تناولته من وجهة نظر أخرى مختلفة، وحذرة في نفس الوقت، فهي ترى أن هذه الخطوة محدودة النفع إذ يقتصر المستفيدون منها على طبقة معينة وهم أبناء الأغنياء، أيضاً وهذا من وجهة نظرها سيؤدي انتشار هذه الجامعات التي ترتبط بجامعات أوروبية وأمريكية إلى هيمنة الثقافة الأجنبية لبلد المنشأ وتكون المحصلة النهائية ظهور شريحة من المجتمع (الصفوة) تتميز عن بقية شرائح المجتمع، تعرف عن ثقافة الغير أكثر مما تعرفه عن ثقافة مجتمعها وفكره.
ودعت في نهاية الموضوع الى عدم الانبهار بهذه النوعية من التعليم التي قد تصرفنا عن العمل على تطوير التعليم الجامعي

نشوء صفوة فكرية وثقافية وعلمية أمر طبيعي في كل مجتمع وقيام جامعات أجنبية يبعث على التنافس

الحكومي الذي يستفيد منه القطاع الأكبر من المجتمع. أرجو أن تسمح لي الدكتورة عزيزة بأن اختلف مع حذرها وتخوفها.. وأن أعرض رأيي المتواضع في هذه المسألة وأبرر أسباب اختلافي: بين ظهرانينا آلاف ممن درسوا في تلك الجامعات من سنوات بعيدة.. حملوا ولازالوا يحملون مسؤوليات الخدمة في المجالات المختلفة.. ولم تكن دراستهم في بلد المنشأ سبباً لأن تفصلهم عن المجتمع أو تفصل المجتمع عنهم.
فتحت أبواب الابتعاث في الفترة الأخيرة.. وأرسل مئات الشباب للدراسة في تلك الجامعات الأجنبية «أيضاً في بلد المنشأ» وبرغم تحفظي على بعض جزئيات هذا الابتعاث خاصة لصغار السن من الشباب، إلا أن هذه الخطوة الهامة لابد أن لها مردوداً إيجابياً ارتأته جهات الابتعاث من الحصول على الخبرة ومستوى تعليم لابد أن نعترف أننا لا نملكه.. على أية حال الابتعاث إلى الخارج قديماً وحديثاً أمر ألفناه.. وتخوفنا منه أو من نتائج ما يحصل عليه الطالب محدود.. فكيف نتخوف من هذه النتائج إذا تواجدت هذه الجامعات بيننا وتحت أعيننا؟ وداخل بيئاتنا وأجوائنا؟ أما أن تكون هذه الجامعات لأبناء طبقة معينة لارتفاع كلفتها ومصاريفها، فهذا الأمر ينضم إلى ما طرحته من قبل على وزارة التعليم العالي بالنسبة للجامعات الحكومية، وخلاصته أن تتحمل الوزارة أو جهات الابتعاث الأخرى هذه الكلفة بالبدء في نظام الابتعاث الداخلي.. سواء في الجامعات الحكومية أو في الجامعات الأهلية السعودية أو الأجنبية وهو في جميع الأحوال أقل تكلفة من الابتعاث الخارجي وأكثر اطمئناناً..!
قد يخلق وجود الجامعات الأجنبية جواً تنافسياً يدفع الجامعات الحكومية إلى العمل على تحسين وتطوير أدائها لقرب النموذج الجيد منها.
وأتفق مع ما انتهت إليه الدكتورة الفاضلة من ضرورة دعم تطوير الجامعات الحكومية.. وقد يكون هذا التنافس أحد صور هذا الدعم. أخيراً أود أن أؤكد أننا إن كنا لا نقبل التمييز بين شرائح المجتمع إلا أننا ندعم التميز، ووجود صفوة فكرية، ثقافية وعلمية، أمر طبيعي في كل المجتمعات.. فتساوي القدرات والإمكانات في أي بيئة تساوياً تاماً يؤدي إلى اختلال هذه البيئة، وكل مُيسر لما خلق له.