يوميات أبو هايس
الشجاعة ما فيها خير..!
يكتبها: د. فهيد الحماد
لمّا منحني الله تعالى بركة الخروج إلى الحياة ولدت معي أشياء لترافقني في حياتي .. أهمها قناعتي بأني شجاع .. هذه القناعة اللي دايما تكذّبها الأحداث .. بدت تخيب ظنوني لمّا وقف حمود أمام الجدار ورفع ثوبه وكتب على الجدار بالماء اللي يخرج من بطنه يشتمني .. كتب إني دجاجة .. فرفعت أنا ثوبي لأكتب على الجدار .. وأرد الصاع صاعين .. دار في ذهني تلك اللحظة اللي رأيته يضرب فيها أحد التلاميذ عند باب المدرسة .. فكرعش جلدي .. ولم يخرج منّي شيء .. حتى كأني من سنة لم أشرب سوايل .. فرحت أركض للبيت وشربت من الماء حتى امتلأ بطني .. انتظرت تقريبا ساعة .. ورحت للجدار .. إلا أني لمّا رفعت ثوبي حضرت تلك الصورة الشينة .. صورته وهو يضرب أحد التلاميذ .. فوقف شعر رأسي .. ولم يخرج شيء .. حاولت .. حاولت .. مستحيل .. فضحك هو .. وأنا رحت أركض للبيت .. قلت في نفسي ما حان وقت الشجاعة .. وجلست ألعب في البيت .. ولمّا احتجت الحمّام فرحت ورحت أركض للجدار .. الآن ما يحتاج .. كاتب .. كاتب .. ولمّا رفعت ثوبي .. رجعت ذيك الصورة .. حاولت وحاولت .. ما فيه فايدة .. أنا متأكد أن الحوادث القادمة تبي تثبت أني شجاع .. ما عليّ إلا أن أنتظرها .. إذا كبرت شوي .. في أحد الأيام اكتشفنا أن مزرعتنا الصغيرة يدخلها اللصوص .. ولأن والدي غير موجود فأنا المفروض أحمي مزرعتنا .. صعدت نخلة كثيرة العسيب .. لأختفي فيها وأراقب .. جاء ولد شاب وصعد الجدار وطالع في المزرعة وقال “ ما فيه أحد يا شباب “ .. ثم طبّح من الجدار في المزرعة .. وبدأ زملاؤه يقفزون إلى داخل المزرعة .. أنا مسكتني نفّاضة ورعشة .. هم عاثوا فسادا وقطفوا من الأشجار والنخيل .. وأنا في نخلتي انتفض .. ولمّا خرجوا .. سقطت أنا من النخلة .. سقطة مدوّية .. اكتشفت إنه ما كان ماسكني إلا الخوف .. تسألني جدتي “ هاه ياوليدي .. مسكت المخرّبين ؟ “ .. قلت “ ايه .. وضربتهم .. ما أدري هل ياصلون المستشفى والا يفطسون قبلها .. “ .. متأكد أنا إني شجاع .. لكن ما حان وقتها .. إذا كبرت شوي .. كبرت ورحت مع الأصدقاء للبر .. لثلاثة أو أربعة أيام .. في الليل سمعنا الذيب يعوي في الجبل .. فقمنا .. وقال لي الأصدقاء “ حنّا نروح ونصعد الجبل من الخلف .. وإنت تجلس أسفل الجبل .. الذيب يبي ينزل عليك .. إذا أنزلناه .. نصوّت لك .. وإنت تمسكه .. “ .. راحوا .. ويوم شفتني لحالي .. والذيب حيمرّ من عندي .. والذيب ما يعوي إلا إذا كان جايع .. والدنيا ليل .. خرمس .. بديت أفكّر بالحياة .. واكتشفت أن قرار المجيء في هالرحلة كان قرار خاطئ .. صرت أسمع حتى مشي النمل .. صاحوا بي .. وهم في أعلى الجبل “ تره جاك الذيب ومعه كمان وليده “ .. هذا الصوت اللي شق صدري كان آخر علمي بنفسي .. ويوم صحيت .. وجدتني مسدوحا عند العيال بجوار النار أنتفض تصطك حنوكي .. والعيال يضحكون .. أثاريهم مالقوه .. فصاحوا بي يمزحون .. متأكد أني شجاع .. لكن ما حان الوقت .. إذا كبرت شوي .. كبرت وأعرست .. وكنت في السيارة معي أم هايس .. عند إشارة المرور .. صاحب سيارة كان يتكلّم عليّ .. ثم نزل وجاني يمشي .. وفتح باب سيارتي وقبض على حلقي .. ورفعني قليلا عن الأرض .. يزعم إني لفّيت عليه .. وبغيت أصدمه .. فاعتذرت .. تركني وراح لسيارته .. وأنا ركبت سيارتي .. قلت لأم هايس “ تريه سكران .. ومعه مسدس “ أضحك عليها .. ولمّا صارت الاشارة خضرا و تحركنا قلت له “ والله لو ما معي أم هايس ولا إنت سكران إني فتحت في وجهك شوارع ... “ .. كنت أظن أن النافذة مسكّرة ..ولا يسمعني .. أثاريه سمعني .. وجالس يطاردني .. أم هايس ما تدري تقول لي “ وش فيك طاير فينا ؟ “ .. قلت لها “ ما أبيك يا عزوتي وروحي تصيرين ثكلى “ ..
أنا متأكد إني قادر أكون شجاع .. لكن لأني متأكد أن الشجاعة ما فيها خير أحمد الله إني ما أنا شجاع .. وأنا صغير أكلت لأوّل مرّة القشطة بالعسل عند بعض أقاربي .. فأعجبتني .. فسألتهم عنها قالوا لي هاذي قشطة .. أهلي ما رايح يشترونها لأن التمر والزبد واللبن أعظم المأكولات عندهم .. أما القشطة وهالحاجات فهي خرابيط ما لها داعي .. فحاولت أسرقها من البقّالة .. حاولت وحاولت .. لكن لأني ما أملك الشجاعة عجزت .. فيئست .. ماذا لو كنت شجاع وسرقت القشطة ؟ .. كان كنت هالحين من أكبر الحراميّة .. حاولت مرّة أن أغش في الاختبار لكن عجزت .. لأني ما أملك الشجاعة .. ماذا لو كنت شجاع وغشّيت في الاختبار ؟ .. كان كنت هالحين من أكبر الغشّاشين ..
لو أن الناس ما يملكون الشجاعة .. أنا متأكد .. أنه ما فيه رشوة ولا راشي ولا مرتشي .. ولا سارق .. ولا حراميّة .. ولا مشاكل عائلية .. ولا طلاق .. ولا حروب .. مثلا .. لو أن الناس في العراق أو غيرها ما يملكون شجاعة .. أنا متأكد .. أنه لن تسيل دماؤهم في الشوارع ..
أنا متأكد أن القضية الفلسطينية الاسرائيلية ستكون محلولة لو أنه ما فيه شجاعة .. مثلا .. سينزل محمود الفلسطيني من شقته ليركب سيارته فيقابل جاره كوهين الاسرائيلي فيقول له “ صباح الخيرات يا كوهين “ .. فيرد عليه “ صباح الأنوار يا محمود “ .. ويركب كل واحد منهم سيارته .. ولأن النوافذ مغلقة يقول محمود “ صباح الزفت يا كوهين “ ويطالع في كوهين وهو يبتسم .. ولأن كوهين يعرف ماذا قال خلف النوافذ المغلقة يرد “ صباح الزفتات يا محمود “ .. ويبادله ابتسامة .. ويروح كل واحد في شغله ..
أنا متأكد أن الشجاعة ما فيها خير .. لا تحاولون تقنعوني .. لا تحاولون ..
afahead@hotmail.com