موائد موت على الصفحة المسرحية السابعة
نحمدو إبراهيم (بيروت)
«ان التضحيات والحوارات الواردة في هذا العمل ليست محض صدفة أبداً، وهي تمت للواقع بكل صلة، وأي تشابه بين عبثيتها وبين الواقع هو متعمد وعن سابق تصور وتصميم».
خلافاً للعادة ارتأى فريق عمل «صفحة 7» ان يعلن عن مسرحيته بهذه الجملة التي تربط بين المعيوش والمتخيل. «صفحة 7» من فكرة واعداد عصام بو خالد وتمثيله بمشاركة فادي أي سمرا كما شارك في الإعداد سرمد لويس وتعرض على مسرح دوار الشمس في بيروت، وهي عمل مسرحي عبثي من روحية صموئيل بيكيت حيث عمد بو خالد وابي سمرا لاستحضار فلاديميل وستراغون شخصيتين بانتظار «غودو» وبناء عمل استناداً إليهما في نص يحتوي على الكثير من الإسقاطات الاجتماعية والسياسية والثقافية عليهما في جدل بيزنطي بين الصديقين اللدودين.
تستخدم المسرحية المبنية أصلاً على عنصري «التمثيل والنص» كما أشار بو خالد لـ«عكاظ الاسبوعية» ديكوراً ومؤثرات صوتية وضوئية بسيطة ومحدودة ليس استهزاء بتقنيات المسرح بل لايلاء الأهمية للنص في المسار الدرامي المسرحي.
تسيطر فكرة الموت على العمل من فتح الستارة حتى إسدالها وتطل الموسيقى الهادئة اطلالات خجولة بين الفينة والأخرى في لحظات الصراع الكبرى بين الخلود والفناء بين الحياة والموت خلال الحوار «البيزنطي» بينهما يطلق الممثلان الشتائم المتبادلة ويبدوان في حالات متناقضة تتراوح بين الانانية وحب الذات من جهة، وحب الشريك في الوطن والانسانية من جهة اخرى.
تبحث الشخصيتان في «صفحة 7» عن فريسة جديدة لسد جوعهما من خلال الموائد ان وجدت حسب حالة الميت ثم يتبادلان كعادتهما دور المحلل النفسي كلاهما للآخر حيث تظهر العقد النفسية المتأججة والتي يعاني منها أفراد المجتمع المعاصر في العالم العربي نظراً للحالة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المحيطة به.
يثبت العمل ان الرجلين ورغم الصراعات التي تدور بينهما لا يستطيع أحدهما العيش دون الآخر فهما متحدان حتى في الموت لا بل متنافسان عليه: «انا ميت»
«إنت ميت؟ انا اكتر منك بدي مت، انا عشت كل حياتي ميت وخلقت ميت .. خلص..»
وفي حوار آخر يقول:
«شو برجك؟
ما بعرف بس عرفت من امي انو خلقت بليلة فيها ضو قمر ضارب عالمسطبة..». من هنا نستشف النقد الذي ساقه النص للمثولية ولنمط التفكير الواحد حتى في الشكل المستشري في المجتمعات العربية وخصوصاً في لبنان.
«عكاظ الاسبوعية» كانت موجودة لمواكبة «صفحة 7» والتقت على هامش العمل بقطبية أبي سمرا وبو خالد وقد أبدى الأول سعادته بالحضور الكثيف الذي أصبح يتابع المسرح الجاد الذي لم يعد موجهاً إلى الطبقة النخبوية المثقفة، وقدرة «صفحة 7» على ايصال فكرتها إلى مختلف الشرائح الاجتماعية بينما اكد بو خالد (المخرج والممثل المعروف بتأثره بالمدرسة العبثة وروادها «بيكيت ويونيسكو» والتي لا تتقيد بالقوانين التقليدية للمسرح) بان السبب الرئيسي في الطفرة المسرحية في لبنان هو ان اللبنانيين بحاجة إلى تفجير طاقاتهم كبوته في ظل الظروف الراهنة المتواصلة خصوصاً بعد حرب تموز ملخصاً التجارب بـ«فشة خلق».