من الحياة
سطح الخزان
د. ميسرة طاهر
كنت سعيدا جدا حين علمت أن عمارة أستاذي قد انتهت وأنه سكن في أحد أدوارها، فقد قلت في نفسي حين سمعت الخبر لقد آن له أن يمضي ما بقي من عمره المنتج في سكنه الخاص، فقد كافح كثيرا وتعب كثيرا،وسعدت حين تحدثت إليه بالهاتف ودعاني لزيارته في منزله الجديد لأنها كانت فرصة لمشاركته هذه الفرحة.
كعادته كريم ولطيف، وحديثه ممتع، هكذا هو يترك الانطباع نفسه كلما زرته، ولكنه هذه المرة بعد أن تناولنا طعام العشاء أخذني في جولة على عمارته ابتداء من الدور الأرضي، وكان يقف في كل دور ليشرح لي ما الذي ينوي أن يفعل به فهي عمارة صغيرة خُطط لها أن تكون سكنا له ولأولاده، وحين وصلنا سطح المنزل أسرني منظر البحر سيما وأنها كانت العمارة الأولى في ذلك الحي بجدة القريبة من البحر،وما حولها كانت أرضا خالية تماما، سبقني وتسلق سلما غليظ المنظر يُفضي إلى خزان العمارة وقد أدهشني شكله، وحين رآني أتأمل ذلك السلم تبسم وقال أعتقد أنك تتساءل عمن صنع هذا السلم ؟ قلت: نعم، قال: أنا صنعته بخبرة معدومة بأمور النجارة،ولكنه يؤدي الغرض، صعدت وراءه إلى سطح الخزان بواسطة ذلك السلم، وكان المنظر في تلك الليلة ساحرا، فالقمر ترك على سطح البحر منظرا خلابا كأنه قطعة من الفضة الرائعة، ونسيم البحر يداعب الوجوه بلطف مبالغ فيه ورطوبة جدة لم يكن لها وجود مع أواخر فصل الشتاء، سبقني وجلس على قطعة من الكرتون تبين لي أنها صندوق ثلاجة كبيرة، جلست بجانبه وقلت: لم لا تحضر فراشا لينا فالجلسة هنا في مثل هذا الوقت ممتعة تُذهب عن المرء عناء يوم كامل وتدفعه للتأمل في ملكوت الله، قال: أما أن الجلسة ممتعة فلاشك في ذلك وأما أنها تدعو إلى التفكر في ملكوت الله فهي كذلك أيضا، ولكني أخشى إن كان الفراش وثيرا أن ينسيني أمرا مهما أحضرت قطعة الكرتون لأجله ؟ قلت: ما هو ؟ قال: أن أتذكر ولا أنسى كيف كنت وأين صرت.
قلت: ماذا تقصد؟ قال: قطعة الكرتون القاسية تذكرني أني كنت لا أملك إلا القليل، وهاأنذا أملك عمارة جديدة تجمعني مع أولادي وتريحني من استئجار البيوت وتمنحني الاستقلالية والسعة، ألا يستحق من أعطاني كل هذا أن أحافظ على حمدي وشكري له وتذكري حالي الماضية؟
قلت: لقد ذكرتني بعمر بن الخطاب حين غلبته نفسه فخرج إلى الناس ونادى بأعلى صوته: أيها الناس إني ابن امرأة كانت تأكل القديد في أزقة مكة، وحين سئل عن سبب فعله ذاك؟ قال: لقد كبرت نفسي في عيني وأردت أن أردها.
قال: هذا ما عنيته أنا بحاجة كل يوم لتقديم الشكر لربي الذي أكرمني وأعطاني وأنا لا أريد أن أنسى حالي الماضية لهذا لم ولن أحضر فراشا وثيرا أو نصف وثير.
قلت: سبحان الله كيف نتعامل نحن البشر مع نعم الله، أنت تؤثر البقاء على كرتون قاس لتتذكر نعم الله عليك وكيف انتقلت من حال إلى حال، وغيرك بعد أن يأكل عشاءه يمسك قطعة الخبز ليمسح بها فمه ويديه من آثار الطعام ثم يرمي بها في سلة المهملات كأنها منديل قذر وهو يقول الحمد لله، قال: وهل رأيت ذلك؟ قلت: نعم وفي صالة أفراح فخمة وكان الفاعل والد العروس الثري وهو صاحب الحفل.قال: ألم تقل له شيئا؟ قلت: لم أسكت وقلت له:لقد أحسنت الحمد يا أخي ولكنك أسأت الشكر، فالحمد ما كان باللسان، والشكر ما صدقته الجوارح وجوارحك خالفت حمدك.هذا فعلا ما حدث ليلة الفرح وعلمني أن النعم لكي تدوم تحتاج إلى شكر المنعم علينا ليس بألسنتنا ولكن بجوارحنا، وعلمني أستاذي يوم أجلسني على قطعة الكرتون أن الحاضر والمستقبل يحتاجان لمعرفة جيدة بالماضي بكل ما فيه وأن التواضع يُصنع وهو ملازم للعلم ويحتاج من المربين أن يفكروا مليا بكل طريقة لجعل أنفسهم وذرياتهم تتذكر الماضي إن كان قاسيا ليحافظوا على النعم من الزوال.